الكوارث النووية علامات فارقة في تاريخ البشرية، ولا تُبرز فقط مخاطر التقنية النووية، بل تكشف أيضًا عن تداعيات السياسات السرية والإخفاقات البشرية في التعامل مع قوة تفوق حدود السيطرة، وقد شهد العالم منذ منتصف القرن العشرين كوارث نووية عدة غيرت مسار التاريخ وأثبتت أن الطاقة النووية سلاح ذو حدين. فحين سعت الدول إلى استغلالها في إنتاج الطاقة وتعزيز القوة العسكرية، أدت التسريبات النووية المتكررة إلى خسائر بشرية ومادية لا يمكن حصرها، من بريطانيا إلى روسيا، ومن الولايات المتحدة إلى أوكرانيا واليابان.
في هذا المقال، نستعرض سلسلة من الأحداث التي غيرت مجرى التعامل مع الطاقة النووية إلى الأبد، ونأخذك في جولة تاريخية نتوقف فيها عند 5 كوراث نووية من ويندسكيل في بريطانيا إلى فوكوشيما في اليابان، لنكشف كيف تركت هذه الحوادث آثارًا طويلة المدى على الصحة العامة، البيئة، وسياسات الطاقة النووية.
هذه الفوائد العظيمة التي تقدمها الطاقة النووية في الاستخدامات المدنية السلمية غيَّرت مفهوم الطاقة ودفعت كثيرًا من الدول إلى إنشاء محطات الطاقة النووية منذ منتصف القرن العشرين، لكن الأمر لم يكن بمنأى عن الأعطال والحوادث المفاجئة، إذ شهد تاريخ استخدام الطاقة النووية كوارث وحوادث المرعبة أعادت النقاش مرة أخرى في الطاقة النووية وقدرة البشر على التعامل معها والسيطرة عليها بطريقة آمن، وعلى الرغم من أن كثيرًا من الحوادث النووية السرية التي لم يُعلن عنها؛ فإن حوادث أخرى كانت أكبر من التغطية والتعتيم، نستعرض منها أخطر 5 تسريبات نووية في التاريخ.
كيف تُصنف الكوارث النووية؟ (مقياس INES)
قبل استعراض الحوادث، من المهم فهم الإطار الذي يستخدمه العلماء لتصنيفها. تستخدم الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) المقياس الدولي للأحداث النووية والإشعاعية (INES)، وهو مقياس لوغاريتمي من 7 مستويات، شبيه بمقياس ريختر للزلازل.
-
المستويات 1-3: تُصنف حوادث صغيرة.
-
المستويات 4-7: تُصنف حوادث جسيمة.
-
المستوى 7 حادث جسيم: هو أعلى وأخطر مستوى، ولم يصل إليه رسميًّا سوى حادثتين في التاريخ: تشيرنوبيل وفوكوشيما.
كارثة ويندسكيل النووية في بريطانيا 1957
دخلت بريطانيا سباق التسلح النووي في أربعينيات القرن الماضي، ومن ضمن مشروعاتها الكبيرة كانت المحطة النووية الضخمة التي أنشأتها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأُطلق عليها «مجموعة ويندسكيل» في شمال غرب إنجلترا التي احتاج بناؤها إلى أكثر من 5000 عامل من أجل بناء مفاعلين نوويين يعتمدان على تبريد الهواء، إضافة إلى مصنع للمعالجة من الجيل الأول. وفعلًا، أنتج المفاعلان كميات كبيرة من البلوتونيوم الذي استُخدم بعد ذلك في صناعة الأسلحة النووية البريطانية.

وكان المفاعل الأول في مجمع ويندسكيل قد بدأ العمل في أكتوبر عام 1950، في حين بدأ المفاعل الثاني العمل عام 1951، قبل أن تحدث أكبر كارثة نووية في تاريخ بريطانيا عام 1957، عندما تعرض المفاعل الأول لحريق هائل صُنّف بعد ذلك على المستوى الخامس، إذ يضم مقياس الأحداث النووية الدولي 7 مستويات، وهو ما يعبِّر عن ضخامة حريق ويندسكيل الذي تعاملت معه السلطات البريطانية بسرية تامة، ولم يُعرف أمر الحريق إلا في الثمانينيات عندما صدر تقرير رسمي عنه، مع أصوات تؤكد أن الخسائر كانت أكبر بكثير مما جاء في التقرير.
وحسب ما جاء في موسوعة «بريتانيكا»، فإن الحريق أدى إلى تسرب كمية هائلة من المواد المشعة، من بينها «اليود-131»، إذ استمر الحريق نحو 16 ساعة، مسببًا موجة من التلوث في نطاق شمال إنجلترا واسكتلندا. وأُشير إلى أخطاء كبيرة في إدارة المفاعل، إذ كانت الرغبة في تسريع الإنتاج دون دراسة المخاطر، وهو ما جعلهم يرفعون حرارة قلب المفاعل ما أدى إلى اشتعال الحريق.
ومع فشل الفنيين في السيطرة على الحريق واستخدام كثير من الوسائل البدائية التي لم يكن لها أي فائدة، فقد لجأوا في النهاية إلى إغلاق أنظمة التهوية التي أدت بدورها إلى تخفيف التسريب بواسطة الخنق، لكن التسريب لم ينتهِ تمامًا، وهو ما أدى إلى خسائر بشرية ومادية هائلة على الرغم من التكتم الشديد من الحكومة البريطانية.
وفي كارثة ويندسكيل، لم تُعلن الحكومة البريطانية عن حجم الخسائر التي قدّرها الخبراء بمئاتٍ من الموتى والمصابين بسرطان الغدة الدرقية، وسحبت كميات هائلة من الحليب الموجود في الأسواق، وهو ما يوضح خطورة تسريب ويندسكيل، وتُعد المرة الأولى التي تلجأ فيها إحدى الدول للتدخل الغذائي بعد حدوث تسريب نووي.
كارثة كيشتم النووية في روسيا 1957
على الرغم من أن روسيا استطاعت إخفاء خبر حدوث أسوأ كارثة نووية في تاريخ البلاد أكثر من 30 عامًا، فإن القصة ظهرت في النهاية وعرف معها العالم ماذا دار في «مجمع ماياك النووي» في خمسينيات القرن الماضي. واعتُبرت الحادثة ثالثَ أسوأ حادثة تسريب نووي في التاريخ، وصُنفت على المستوى السادس على مقياس INES.
كان الاتحاد السوفيتي يشعر بتأخره أمام الولايات المتحدة الأمريكية في سباق التسليح النووي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو ما جعل السوفيت يبنون مجمع «ماياك النووي» بين عامَي 1945 و1948 بسرعة كبيرة، ربما أدت إلى تجاهل إجراءات الأمن والسلامة اللازمة في مثل هذه المنشآت شديدة الخطرة، وذلك من أجل الحصول على كميات وفيرة من البلوتونيوم واليورانيوم لاستخدامها في أغراض عسكرية.

لم يكن مجمع ماياك النووي موافقًا لإجراءات السلامة، ومن بينها الموقع الجغرافي، إذ لم تكن هناك وسيلةٌ للتخلص من الفضلات النووية سوى إلقائها في الوديان المحيطة بالموقع التي كانت تصب بدورها في المحيط الشمالي، قبل أن ينشئ السوفيت مكانًا لتخزين المواد السائلة في الموقع التي كانت تحتاج إلى وسائل تبريد قوية، لكن المهندسين السوفيت زودوا أماكن التخزين بعدد غير كافٍ من أجهزة التبريد، وهو الخطأ الذي أدى إلى الكارثة.
في أواخر سبتمبر عام 1957، حدث عطل في أحد أجهزة التبريد في أحد المخازن التي تحتوي أطنانًا من المواد المشعة، ما أدى إلى ارتفاع درجة حرارة الموقع، قبل أن ينتهي الأمر بانفجار هائل يوازي انفجار نحو 100 طن من الديناميت، وهو ما أدى إلى تدمير الغطاء الخرساني للموقع، وارتفاع نسبة المواد المشعة في الجو، وحدوث التسريب الإشعاعي الذي غطى نحو 20,000 كيلومتر مربع، بمواد خطرة مثل السيزيوم-137 والسترونتيوم-90.
ومن أجل تدارك الكارثة ومحاولة إخفائها، أجلت السلطات في الاتحاد السوفيتي نحو 10,000 مواطن وهدمت كل المنازل القريبة من مكان الانفجار. لكن هذه الإجراءات لم تمنع إصابة ما يقارب 270,000 شخص بالإشعاعات النووية، وأُصيب كثيرون بالتشوهات والأمراض، وكان أبرزها أمراض السرطان الناتجة عن الإشعاع، مع محاولات مكثفة لإخفاء الحادث الذي كُشف عنه بعد ذلك في منتصف السبعينيات على يد أحد العلماء السوفييت اللاجئين في بريطانيا.
وفي عام 1988، اعترف الاتحاد السوفيتي بالكارثة، وخرجت الكثير من البيانات التي توضح هول الحادثة التي أُطلق عليها «كارثة كيشتم النووية» نسبة إلى أقرب بلدة من موقع ماياك النووي، الذي شهد أكبر تسريب إشعاعي في تاريخ الاتحاد السوفيتي وثالث أكبر تسريب في التاريخ.
حادث جزيرة الأميال الثلاثة النووية في الولايات المتحدة 1979
في جزيرة الأميال الثلاثة في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، وقع أكبر حادث نووي في تاريخ الولايات المتحدة، وصُنف على المستوى الخامس على مقياس INES، وقد أدى إلى تغيير كبير في صناعة محطات توليد الطاقة النووية، ليس في الولايات المتحدة فقط، وإنما في العالم. وأدى بدوره إلى تغيير إجراءات الأمن والسلامة، وترك سكان الجزيرة في حالة من التأهب الدائم حتى عام 2019.
وكان الحادث الذي هز الولايات المتحدة الأمريكية يوم 28 مارس عام 1979 قد بدأ بحدوث انصهار في قلب المفاعل النووي الموجود في جزيرة الأميال الثلاثة بسبب أخطاء بشرية وتقنية أدت إلى تسرب كميات كبيرة من الغازات المشعة إلى الغلاف الجوي، وذلك عندما توقفت إحدى مضخات التبريد. وهو ما لم يُتعامل معه على النحو الأمثل، فارتفعت حرارة الوقود النووي؛ ما أدى إلى حدوث انصهار في قلب المفاعل لم تتمّ السيطرة عليه بسرعة.

ومع المحاولات الجادة للسيطرة على انصهار قلب المفاعل، نجحت الجهود بعد ساعات، استطاع خلالها الفنيون الحيلولة دون حدوث انفجار كبير قد يؤدي إلى تضاعف حجم الكارثة. ومع ذلك، فقد صدرت الأوامر بإجلاء النساء الحوامل والأطفال، في حين لجأ كثير من السكان إلى الرحيل طوعيًّا خوفًا من التسريبات النووية أو وقوع حوادث أخرى في الأيام التالية.
ومع ضخامة كارثة جزيرة الأميال الثلاثة، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في مراجعة الأمن والسلامة الخاصة بالمنشآت النووية، وجهزت فريق استجابة للأزمات من أجل تطهير الموقع محل الكارثة، وهو ما استمر سنوات عدة. في السنة الأولى، لم يدخل أي شخص إلى موقع الكارثة بسبب ارتفاع مستويات الإشعاع، واستعان فريق التطهير بإنسان آلي جرى تطويره للعمل داخل المفاعل من أجل تنظيف الفضلات النووية.
وبلغت تكاليف تطهير المفاعل نحو مليار دولار، وأسهمت اليابان بنحو 18 مليون دولار، وأرسلت مجموعة من المهندسين النوويين الذين ساعدوا في عمليات التطهير، قبل أن يعود العمل مرة أخرى في المحطة النووية التي تحتوي مفاعلين نوويين، إذ جرى إغلاق أحدهما بسبب الكارثة، واستمر العمل في المفاعل الآخر الذي كان يمد سكان الجزيرة بالكهرباء حتى أغلق نهائيًّا عام 2019، وقد استمرت عملية التطهير 14 عامًا، من 1979 إلى 1993، ما يوضح حجم التعقيدات التقنية للتعامل مع الحوادث النووية، وفقًا لسجلات اللجنة التنظيمية النووية الأمريكية (NRC).
كارثة تشيرنوبيل في أوكرانيا 1986
لا شك في أن كارثة تشيرنوبيل النووية هي أكبر الحوادث النووية التي شهدها العالم في ذلك المجال التي وقعت في أوكرانيا عام 1986، وأدت إلى خسائر بشرية كبيرة بين الإصابات وحالات الوفاة، إضافة إلى خسائر مادية تجاوزت ثلاثة مليارات دولار، وكانت سببًا في تغيير سياسة التعامل مع المحطات النووية على مستوى إجراءات الأمن والسلامة في العالم، وربما كانت سببًا في انهيار الاتحاد السوفيتي بعد ذلك.
وقعت كارثة تشيرنوبيل يوم 26 أبريل عام 1986 في محطة تشيرنوبيل الأوكرانية القريبة من مدينة بريبيات في شمال أوكرانيا، وبالتحديد في القسم الرابع من المفاعل النووي، في المرحلة التي كانت أوكرانيا فيها تابعة للاتحاد السوفيتي. وتم تصنيف الكارثة على المستوى السابع لمقياس الكوارث النووية الذي يحتوي 7 مستويات، وبذلك اعتُبرت تشيرنوبل أكبر كارثة تسريب نووي في التاريخ.

كان الخبراء في محطة تشيرنوبيل يجرون اختبارًا لانقطاع الكهرباء، وفي أثناء الاختبار حدثت بعض الأخطاء في التشغيل، وأغلق المهندسون توربينات المياه التي تُستخدم في تبريد اليورانيوم، وهو ما أدى بدوره إلى ارتفاع حرارة المفاعل إلى درجة كبيرة تسببت في الاشتعال الذي أدى إلى انصهار قلب المفاعل. ما أدى إلى حدوث انفجار كبير، تلاه انفجار أكبر، ثم اشتعلت النيران في المفاعل بطريقة مرعبة مع وجود المواد المشعة التي أدت إلى ارتفاع النيران والدخان لمسافة كبيرة في السماء لتصنع سحابة من الإشعاعات النووية.
تسارعت الأحداث بطريقة تفوق التصور، إذ انتشرت السحابة النووية في أوكرانيا وأجزاء من روسيا البيضاء وروسيا، وبعد قليلٍ تجزّأت هذه السحابة النووية إلى سحابات عدة انتقلت مع الهواء والرياح إلى دول أخرى مثل بولندا وتشيكيا وألمانيا وبلغاريا واليونان وتركيا ورومانيا، لتأخذ الكارثة منحًى جديدًا يتخطى كل السيناريوهات المرعبة في أذهان الخبراء والمختصين.
على مستوى الخسائر، فقد أدى الانفجار إلى مصرع عدد من العاملين ورجال الإطفاء، وتباينت الأرقام حول عدد القتلى والضحايا، لكن أحد تقارير الأمم المتحدة أكد أن ضحايا حادث تشيرنوبيل يتجاوزون 4000 شخص، وظهر تقرير آخر للسلطات الأوكرانية يقول إن عدد الضحايا يتجاوز نحو 8000 شخص. في حين كان رأي الجمعيات والمنظمات الدولية مختلفًا ومشككًا في هذه الأرقام، وتوقعت منظمات عدة أن يتجاوز عدد القتلى ذلك بكثير، ليكون بين 10 آلاف و90 ألفًا إذا وضعنا في الاعتبار حالات الإصابة بالسرطان وأمراض الغدة الدرقية المميتة.
ثم إن المناطق المجاورة لمفاعل تشيرنوبيل النووي سجّلت بعد ذلك عددًا كبيرًا من حالات الإصابة بسرطان الغدة الدرقية وأنواع أخرى لدى الأطفال أقل من 18 عامًا عند وقوع الكارثة. وأشارت بيانات وزارة الصحة الأوكرانية إلى أن نحو مليوني مواطن يعانون أمراض مختلفة وحالات متفاوتة بسبب تسرب الإشعاع من مفاعل تشيرنوبيل النووي. أضف إلى ذلك تلوث مساحة كبيرة من الأراضي الزراعية بلغت 1.4 مليون هكتار في أوكرانيا وروسيا البيضاء.
كارثة فوكوشيما في اليابان 2011
لم يكن حادث انفجار المفاعل النووي الياباني في منطقة فوكوشيما بسبب أخطاء الأمن والسلامة أو حتى بسبب الأخطاء البشرية والتقنية، وإنما كان نتيجة زلزال عنيف أدى إلى انفجار المفاعل، لتشهد البلاد أكبر كارثة نووية منذ تعرضها للقصف بالقنابل النووية في الحرب العالمية الثانية.
وكان يوم 11 مارس عام 2011 قد شهد تعرض اليابان لزلزال بلغت قوته 9 درجات على مقياس ريختر، وهو ما يُعد زلزالًا عنيفًا ضرب أجزاء واسعة من البلاد، التي تمتلك خبرات كبيرة في التعامل مع الزلازل والكوارث الطبيعية، لكن هذه المرة كانت الأمور خارجة عن السيطرة، إذ أدى الزلزال إلى حدوث أمواج تسونامي عاتية وصل ارتفاعها إلى 10 أمتار. إلا أن أكبر آثار الزلزال كانت في انفجار مفاعل محطة فوكوشيما دايتشي للطاقة النووية.

وكانت المحطة النووية قد توقفت عن العمل آليًّا بعد حدوث ارتجاجات عنيفة بسبب الزلزال وأمواج تسونامي؛ ما تسبب في قطع الكهرباء عن نظام التبريد الخاص بالمحطة النووية. ولم تكن مولدات الديزل قادرة على العمل إلا لمدة قصيرة، ما أدى إلى نفاد الطاقة الاحتياطية وتوقف محركات ضخ المياه التي تعمل على تبريد الأنابيب الموجودة في المفاعل، وهو ما أدى بدوره إلى ارتفاع درجة الحرارة وخروج أبخرة الهيدروجين والغازات القابلة للاحتراق من أنابيب الوقود، ما تسبب في النهاية بانفجارات عنيفة وكارثة أكثر فتكًا، وصُنفت أيضًا على المستوى السابع.
أدت الانفجارات إلى تدمير قرى كاملة وإلى تضاعف مستوى الإشعاعات في الهواء، وأجلت السلطات 200,000 شخص من المنطقة المحيطة بالمجمع. لكن الإجراءات لم تمنع الخسائر المادية والبشرية الكبيرة التي وصلت إلى نحو 20,000 قتيل ومفقود، إضافة إلى خسارة نحو 170 مليار دولار، بجانب التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي أصابت اليابان في مرحلة ما بعد الكارثة، وحالة الجمود والترقب التي شهدتها الأسواق الاقتصادية في آسيا مدة ليست بالقصيرة.
وكانت اليابان قد واجهت عددًا من المشكلات التقنية بعد كارثة مفاعل فوكوشيما، إذ اضطرت إلى تصريف مياه المفاعل إلى البحر، وهو ما أدى إلى موجة كبيرة من الاحتجاجات والانتقادات من داخل اليابان وخارجها. واستمرت عملية تفكيك المحطة محل الكارثة حتى عام 2023. كذلك، تسربت كميات كبيرة من السيزيوم واليود إلى المياه الجوفية وإلى المحيط، وهو ما أثار كثيرًا من المخاوف حول سلامة الحياة البحرية والسلسلة الغذائية في المنطقة.
مقارنة بين تشيرنوبيل وفوكوشيما
على الرغم من أن كليهما صُنف في المستوى السابع، فإن أسباب الكوارث النووية كانت مختلفة تمامًا. كانت تشيرنوبيل نتيجة انفجار عنيف بسبب عيوب في تصميم المفاعل وأخطاء بشرية، ما قذف بالمواد المشعة عاليًا في الغلاف الجوي. أما فوكوشيما فكانت نتيجة كارثة طبيعية أدت إلى انصهار نووي تدريجي وتسرب للمواد المشعة على نحو أبطأ، معظمها في مياه المحيط الهادئ.
تسريبات نووية مخفية وأسرار لم تُكشف بعد
على الرغم من أننا نعرف معظم الحوادث النووية الكبرى التي شهدتها محطات الطاقة النووية والغواصات التي تعمل بالطاقة النووية؛ فإن التكتم الكبير الذي جرى على حوادث نووية كبرى مثل حادثة ويندسكيل في بريطانيا وحادثة كيشتم في روسيا، يوضح وجود احتمال كبير لوجود حوادث نووية أخرى لم يُعلن عنها حتى الآن. فقد كانت السياسة في فترات الحرب الباردة تقضي بالتكتم والتعتيم الكامل على الحوادث النووية والتسريبات الإشعاعية في مناطق التجارب والمنشآت العسكرية.
وقد أشارت وثائق استخباراتية عدة تضمنت شهادات لمهندسين وضباط وموظفين سابقين إلى وجود تسريبات إشعاعية في منشآت في الولايات المتحدة وكازاخستان وسيبيريا التي تكتمت عليها الدول وتعاملت معها بعدِّها أسرارًا عسكرية. وظهرت وثائق ضمن أرشيف لجنة الطاقة الذرية الأمريكية أشارت إلى حوادث تسرب داخلي جرى التعامل معها دون الإعلان عنها.
ومؤخرًا، أشارت تقارير عدة إلى وجود تسربات إشعاعية تم رصدها بالأقمار الصناعية في عدة مناطق في إيران وكوريا الشمالية التي لم يُعلن عنها أيضًا. وظهرت غيوم مشعة في أوروبا عام 2017 دون الإعلان عن مصدرها، وهو ما يؤكد أن التسريبات النووية التي لا نعرفها قد تكون أكثر من تلك التي نعرفها، على الرغم من دعوات الشفافية والتعاون الدولي فيما يخص العمل على إنتاج الطاقة النووية. فالكوارث النووية لا تخص أصحابها فقط، وإنما تتخطى آثارها البلدان والحدود الجغرافية والخلافات السياسية.
وفي نهاية هذا المقال، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة. ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.