فارس الشدياق أديب وشاعر ولُغوي ومؤرخ وصحفي لبناني، يُعد من أبرز رواد الثقافة العربية ومؤسسي عصر النهضة العربية، ومؤسس صحيفة الجوائب أول صحيفة عربية مستقلة في إسطنبول.
في هذا المقال الشامل نغوص في تفاصيل سيرة أحمد فارس الشدياق، ونكشف عن الدوافع الحقيقية وراء اعتناق الشدياق للإسلام، ونستعرض مؤلفات أحمد فارس الشدياق الخالدة وعلى رأسها كتاب (الساق على الساق فيما هو الفارياق).
يُعد الأديب واللغوي اللبناني الكبير فارس الشدياق من أكثر الشخصيات العربية غرابة وإثارة للجدل بين رواد الثقافة في القرن التاسع عشر؛ فهو من أشهر الكُتاب والصحفيين واللغويين، ومن أبرع المترجمين وألمع الرحالة الذين سافروا إلى أوروبا، وأصدر أول صحيفة عربية مستقلة.
وكان الشدياق متحدثًا بارعًا، ومجادلًا صداميًا، ومناوشا إلى أقصى حد، وكانت له كثير من المعارك الفكرية والأدبية مع أدباء عصره.
مولد ونشأة فارس الشدياق
وُلد أحمد فارس بن يعقوب بن منصورين جعفر شقيق بطرس بن رعد بن المقدم خاطر الحصروني الماروني في بلدة عشقوت اللبنانية، وتلقى علومه في مدرسة عين ورقة المارونية حيث درس اللغة العربية والسريانية والمنطق واللاهوت وعلوم البلاغة في بدايات عصر النهضة العربية.
وقد تنقل الشدياق بين أكثر من طائفة حتى تحول إلى البروتستانتية، وهو ما تسبب له في كثير من المشكلات، وأدى الأمر في النهاية إلى موت أخيه في سجن تابع للمارونيين.
تعرضت العائلة إلى الاضطهاد الماروني، وأصبحت الحياة صعبة والظروف قاسية؛ فلجأ الشدياق إلى مصر، وعمل هناك في صحيفة (الوقائع المصرية)، وأصبح رئيسًا للقسم العربي بالصحيفة عام 1820، وهو ما منحه خبرة كبيرة في مجال الصحافة.

محطات في حياة فارس الشدياق
كانت المحطة الأولى في حياة فارس الشدياق هي حصوله على فرصة للعمل مع المبشرين الأمريكان في جزيرة مالطا، وأصبح مديرًا للمطبعة الخاصة بهم، وقام على طباعة كل أعمالهم، وقام بتعريب ترجمة التوراة، وهو ما جعله ينتقل بعد ذلك إلى العمل على ترجمة العهد الجديد لمصلحة جامعة كامبريدج، إضافة إلى إصداره قاموسًا يضم المترادفات العربية في تلك المرحلة تحت عنوان (اللفيف في كل معنى طريف).
شهدت مدة العمل في مالطا والعمل لجمعية الكتاب المقدس التابعة لجامعة كامبريدج نشاطًا كبيرًا لفارس الشدياق، فأصدر كثيرًا من الكتب التي تُظهر مقدرته اللغوية الكبيرة، إضافة إلى كثير من نظرياته وآرائه فيما يخص اللغة، ومنها كتاب (غنية الطالب ومنية الراغب) وهو كتاب في النحو والصرف وحروف المباني، أجازته الحكومة التركية للتدريس في مدارس الدولة العثمانية.
كانت هناك محطة أخرى في حياة الشدياق عام 1834 حين تلقى دعوة من البعثة الكهنوتية الأمريكية لتعليم اللغة العربية في المدارس الخاصة بهم، إضافة إلى الإشراف على مطبوعاتهم العربية، وهو ما رفع كثيرًا من شأن فارس الشدياق، ومنحه شهرة كبيرة، واستمر عمله في مالطا لنحو 14 سنة إلى أن مرَّ بحياته منعطف خطر زاد من شخصية فارس الشدياق المثيرة للجدل.
فارس الشدياق يعتنق الدين الإسلامي
في عام 1846 كان حاكم تونس أحمد باشا في رحلة إلى أوروبا، وقابل هناك فارس الشدياق الذي مدحه بقصيدة أعجبت أحمد باشا كثيرًا؛ فعرض عليه أن ينتقل معه إلى تونس، وأتبع العرض بإرساله سفينة خاصة لنقل فارس الشدياق، وهو ما وافق عليه فارس الشدياق سريعًا,
وحصل من أحمد باشا على منحة مالية كبيرة؛ فترك المذهب البروتستانتي واعتنق الإسلام وأصبح اسمه (أحمد فارس الشدياق)، وبعد مدة من الإقامة في تونس عاد مرة أخرى إلى مالطا.
لماذا أسلم فارس الشدياق؟
وعند الحديث عن إسلام فارس الشدياق يجب أن نوضح بعض الأمور، فقد ذكر المستشرقون أن فارس الشدياق اتجه للإسلام بسبب شعوره بالغضب من موت أخيه في سجون المارونيين، وبسبب اضطهادهم توفي والده في دمشق فقيرًا مقهورًا. كذلك عانى فارس الشدياق نفسه من الاضطهاد والقهر، سواء من المارونيين خاصة، أو من المسيحيين عامة.
ونضيف على ذلك أن شخصية فارس الشدياق كانت شخصية عصبية مزاجية، فكان الرجل سريع الانفعال كثير التقلب، إضافة إلى أن الإسلام كان يمثل درعًا واقيًا في ذلك الوقت لفارس الشدياق، مع الأموال التي حصل عليها.
وعلى الرغم من أننا لا نستطيع أن نتحدث في مدى صدقه مع نفسه ومع الله؛ فإننا نضع الحقائق كاملة، فلقد كان الشدياق معروفًا بأنه عصبي المزاج يميل إلى الشر والتهكم والسخرية من الناس، وكان له كثير من الأعداء بسبب غروره ولسانه السليط، لكن لا ينكر أحد أبدًا علمه ونبوغه وتفرده في مجالات عدة.
وكل من تعامل مع فارس الشدياق لم يستطع أن يجزم بعقيدته الحقيقية، فحتى بعد موته حدث خلاف كبير بين جميع الطوائف الدينية، فكانت كل طائفة ترغب في تولي شؤون جنازته، إلى أن انتهى الأمر إلى دفنه في منطقة متوسطة بين المنطقة الدرزية والمنطقة المسيحية في جبل لبنان، وأُقيمت عليه صلاة متعددة الديانات.
أدب الرحلات عند فارس الشدياق ونقد الغرب
نتيجة تنقله بين كثير من الأقطار، سواء للعمل أو لأسباب أخرى، كان للشدياق تجارب وانطباعات مدهشة فيما يخص كثيرًا من البلدان الأوروبية التي كانت تختلف عن رحلات الأدباء والمثقفين الآخرين أمثال رفاعة الطهطاوي الذي جاءت كتاباته عن رحلاته أشبه بالتوثيق العلمي.
أما فارس الشدياق فكان يكتب بطريقة أدبية يمكن وضعها في إطار أدب السيرة الذاتية، وهو ما يظهر في كتابه (الساق على الساق في ما هو الفارياق) الذي صدر عام 1885.
استطاع الشدياق بصفته رحالةً وأديبًا أن يُظهر كثيرًا من الجوانب السلبية للحضارة الأوروبية، وينقل الأوضاع الاجتماعية والثورة الصناعية بسخرية ممتعة من نفسه، ومن الأوضاع في إطار أدبي يتميز بالسلاسة والتصوير.
ولم يتحدث فارس الشدياق عن أوروبا بعدِّها مكانًا أو كتلة واحدة، وإنما تحدث عن كل بلد وعن كل طبقة اجتماعية، وهو ما منح كتاباته قيمة كبيرة على المستوى المعرفي بجانب المستوى الفني والأدبي.
الشدياق الناقد والساخر وتأسيس جريدة الجوائب
من الأمور التي أجمع عليها المؤرخون والكُتاب عن شخصية الشدياق أنه كان لا يطيق صبرًا بأي رائد أو عالم ينافسه في مجال الشهرة، فكان كثير الشتم والذم في مناظراته السياسية والعلمية والأدبية، حتى أمام العلماء والأدباء الكبار وعلى رأسهم رزق الله حسون، وناصيف اليازجي، وإبراهيم اليازجي، ورشيد الدحداح، وبطرس البستاني، وغيرهم من الأساطين والجهابذة.
وكان الشدياق لا يقبل النقد، ومن ناحية أخرى كان كثير النقد حاد التعبير، وهو ما أدى إلى خسارته مودة معظم أدباء وعلماء اللغة في عصره. وعلى الرغم من ذلك فكان كل أدباء ونقاد عصره يصفونه بأنه من القلائل الذين يبرعون في الوصف، ويعرفون قيمة الكلمة، ويصلون إلى قمة المعنى دون مجهود يُذكر، وهو ما عدَّه كثيرون مصدر عبقرية وغرور أحمد فارس الشدياق.
دور فارس الشدياق في الصحافة العربية
كان الشدياق صاحب أول صحيفة عربية مستقلة وهي (صحيفة الجوائب) التي كانت تصدر في إسطنبول، وبسببها كان يحصل من السلطان العثماني على مبلغ 500 ليرة عثمانية كل عام، على الرغم من أنه كان ينشرها في المطبعة السلطانية مجانًا، ثم أنشأ مطبعة خاصة على أحدث النظم.
وأصبحت (الجوائب) من كبرى الصحف العربية في ذلك الوقت، وكانت وسيلة الشدياق للحديث عن العلوم والمعارف والتقنية، بالإضافة إلى مساندته لنظام الخلافة وللسلطان العثماني، وهو ما منحه حظوة كبيرة لدى السلطان.
وأخذ عليه كثير من المفكرين والمثقفين في عصره انحيازه التام للجامعة الإسلامية، وعُدَّت (جريدة الجوائب) جريدة رسمية للحكومة العثمانية لما تحمل من أفكار وسياسات.
وعلى مستوى الأدب فقد كان الشدياق كاتبًا وأديبًا وشاعرًا، وكان يكتب في مدح السلاطين والخلفاء والحكام. إلا إن النقاد أشاروا إلى أن شعره لم يكن بدرجة نبوغه نفسها في اللغة والنثر، وعلى رأسهم الأستاذ حسن الزيات الذي تحدَّث عن الشدياق قائلًا: «أما شعره فأدنى رتبة من نثره، وأقل جودة وأضعف ابتكارًا، فهو في نثره مجدد، وفي النظم مقلد، وفي كليهما بالنسبة لأهل عصره سابق مُجيد».
وقد كان الشدياق أحد الإصلاحيين والتنويريين الكبار في القرن التاسع عشر، لكنه لم يحصل على المكانة التاريخية الكبيرة التي حصل عليها أقرانه مثل ناصيف اليازجي، ورفاعة الطهطاوي، وعبد القادر الجزائري.
وانحصرت الكتابات التاريخية عن الشدياق في مجال اللغة والأدب، وربما أدب الرحلات، وتجاهلت تمامًا قيمته الإصلاحية والتنويرية، فقد كان أحد أركان النهضة الأدبية في القرن التاسع عشر، لكن منهجه الإصلاحي كان يعتمد على التورية والترميز؛ نتيجة الانتقادات اللاذعة التي كان يوجهها للقيادات الرجعية.
الترميز سلاح في وجه الجهل
بصفتي باحثًا مهتمًا بتحليل أساليب بناء النهضة الأدبية، أرى أن الشدياق كان يمتلك عبقرية استثنائية في تطويع اللغة. ولم تكن عصبيته وسخريته سوى قناع يخفي خلفه مشروعًا تنويريًا ضخمًا، استخدم التورية والترميز لانتقاد الجهل والتخلف بذكاء شديد دون الاصطدام المباشر بالسلطات.
لقد أسس في أول صحيفة عربية مستقلة قواعد الاشتباك الصحفي الحر؛ ولذا أعدُّ إرثه اللغوي هو المرجع الأهم لكل من أراد فهم تطور الخطاب الإعلامي العربي الحديث.
ما قدمه في كتابه الساق على الساق فيما هو الفارياق يمثل ثورة سردية سبقت الرواية الأوروبية الحديثة في تكسير الحواجز بين الكاتب والقارئ؛ لذلك يبقى الشدياق رمزاً للتنوير المغدور، وأحد أهم رواد الثقافة العربية الذين يستحقون إعادة القراءة والإنصاف.
مؤلفات أحمد فارس الشدياق ومقتطفات من شعره
تنوعت أعمال فارس الشدياق بين اللغوية والترجمة:
- الواسطة في أحوال مالطا
- كشف المخبا في أحوال أوروبا
- الجاسوس على القاموس
- الساق على الساق فيما هو الفارياق
- كنز الرغائب في منتخبات الجوائب
- اللفيف في كل معنى طريف
- سر الليال في القلب والإبدال
- غنية الطالب
- الباكورة الشهية في نحو اللغة الإنجليزية
- سند الراوي في النحو الفرنساوي
- شرح طبائع الحيوان

مقتطفات من شعر فارس الشدياق
ألا يا قلب ما لك لا تذوب على فقد الحبيب وفيك حوب؟
ويا دمعي الذي بلَّ التراقي يصب على مصابي أو يصوب
أعني حيث ما لي من معين وأعنتني من الدهر الخطوب
وأخمد نار أحزاني ووجدي تسعر في الحشا ولها لهيب
أنادي من فقدت وليس يجدي نداي بعد أن حان المجيب
متى هب النسيم على الغياض تذكرت الثناء على رياض
نجيب في أنامله يراع ينوب عن الأسنة والمواضي
يخط به سطورًا رائعات فيا حسن السواد على البياض
يفيض الدر من فيه علينا فيوضا لم يشنه من مغاض
وفي أثنائها حكم توالت يمج بها يراع وهو ماض
يسرك أنس حضرته سرورا كأنك قد ظفرت بإرث قاض
أيها القارئون صبرًا على ما تستطيلون من جدال وبيل
رب حق بالصمت يخفى ويخفو بلجاج ما بين قال وقيل
يا زمانا يسوء من لم يسؤ ويسر المسيء حلف البطول
جئتنا اليوم الطبيب المداوي للأصحاء وهو جد عليل
زعم الفضل والفضل سواء وأقام الدعوى بغير دليل
وفاة فارس الشدياق
توفي الشدياق يوم 20 سبتمبر عام 1887 عن عمر ناهز 84 عامًا في مدينة إسطنبول، وحين تقرر دفنه في تربة السلطان محمود استأذن ولده أن يُدفن والده في جبل لبنان، حيث كانت تلك وصيته، فنُقل الجثمان على باخرة نمساوية حتى وصل إلى بيروت، وصار نزاع بين الطوائف المسيحية والإسلامية على دفن الشدياق، حتى أقيمت عليه صلوات متعددة الأديان، ودُفن في موقع متوسط بين المقابر الدرزية والمقابر المسيحية.
تساؤلات عن سيرة أحمد فارس الشدياق
لكل شغوف بتاريخ الصحافة ومعرفة الإجابات المباشرة عن أحد أهم رواد الثقافة العربية، جمعنا جميع تساؤلات الجمهور عنه:
من هو أحمد فارس الشدياق؟
هو صحفي وأديب ولغوي ومترجم لبناني وُلد في عشقوت، يُعد من كبار مؤسسي النهضة العربية الحديثة في القرن التاسع عشر، تميز بأسلوبه الأدبي الساخر ومعاركه الفكرية، وهو مؤسس أول صحيفة عربية مستقلة ذات انتشار واسع.
لماذا اعتنق فارس الشدياق الإسلام؟
اعتنق الشدياق الإسلام رسميًّا في تونس عام 1860 وسمى نفسه (أحمد)، وتعددت التفسيرات عن ذلك؛ فبعضها يرجعه إلى نقمته على المارونيين بعد موت أخيه في سجونهم، وبعض آخر يرى فيه رغبة سياسية للتقرب من السلطة والحصول على الحماية والنفوذ في ظل الدولة العثمانية.
ما أهم مؤلفات فارس الشدياق؟
أثرى فارس المكتبة العربية بمؤلفات خالدة، من أبرزها في أدب السيرة: (الساق على الساق فيما هو الفارياق) وفي المعاجم والنقد اللغوي: (الجاسوس على القاموس) و(اللفيف في كل معنى طريف)، وفي أدب الرحلات: (كشف المخبأ في أحوال أوروبا) و(الواسطة في أحوال مالطا).
متى تأسست جريدة الجوائب ومن أسسها؟
أسسها أحمد فارس الشدياق في مدينة إسطنبول صحيفة سياسية وأدبية، وأصبحت لاحقًا لسان حال الحكومة العثمانية ومنبرًا للدفاع عن سياساتها ونشر المعارف التقنية الحديثة.
ما موضوع كتاب (الساق على الساق فيما هو الفارياق)؟
هو كتاب فريد يمزج بين السيرة الذاتية، وأدب الرحلات، والمقامات، يسرد فيه الشدياق محطات حياته بضمير الغائب مستخدمًا اسمًا رمزيًّا (الفارياق)، وينتقد فيه التقاليد البالية والآفات الاجتماعية في المجتمعات العربية والأوروبية بأسلوب ساخر ومعجم لغوي شديد الثراء.
ما أول صحيفة عربية مستقلة أسسها الشدياق؟
هي جريدة الجوائب التي صدرت في إسطنبول، وهي أول صحيفة عربية خاصة ومستقلة (قبل أن تتقاطع مصالحها مع السلطة العثمانية) تتمتع بانتشار وتأثير عابر للحدود في العالم العربي والإسلامي.
أين دفن فارس الشدياق؟
توفي الشدياق في إسطنبول عام 1887، وبناءً على وصيته، نُقل جثمانه عبر البحر ليدفن في مسقط رأسه بجبل لبنان، وبعد خلاف شديد بين الطوائف الدينية في هويته وعقيدته، دُفن في منطقة فاصلة بين المقابر المسيحية والدرزية.
في الختام، يظل إرث الشدياق الأدبي والصحفي حاضرًا بقوة علامة فارقة في التنوير، وقد استعرضنا كيف مزج بين تمرده وانفتاحه ليؤسس مدرسة متفردة في النقد اللغوي.
شاركنا برأيك في التعليقات: هل ترى أن جرأة الشدياق وسخريته اللاذعة هي ما منعت حصوله على المكانة التاريخية التي تليق بنبوغه؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.