أحمد شوقي ( 1870 – 1932 م ) أمير شعراء العصر الحديث

مولده وتنشئته:

 

في حي الحنفي بالقاهرة، ولد أحمد شوقي على أحمد شوقي في السادس من أكتوبر عام 1870م عن أبوين تجري في عناصرهما الأصول التركية والجركسية واليونانية والكردية العربية؛ أما الجد أحمد شوقي كان يعمل في حاشية محمد على؛ وظل الأب يرتقي في المناصب العالية حتى أصبح أميناً للجمارك المصرية في عهد سعيد باشا، وتوفى وهو في تلك الوظيفة عن ثروة تحولت إلى ميراث للأب على شوقي وشوقي نفسه من بعد.

 

دخلت جدة الشاعر ـ الطفل وقتذاك ـ على الخديوي إسماعيل وكان لا يزال الحفيد في السنة الثالثة من عمره، ونظر إليه إسماعيل، فوجد بصره مشدوداً إلى السماء، لا يسقط على بسيط الأرض ولا ينزل إليها، فطلب بدرة من الذهب ونثره على البساط عند قدميه، فتحول شوقي إليه، وأخذ يجمعه ويلعب به ـ وهنا يكمل وصف المحاورة د. ماهر حسن فهمي: يلتفت الطفل إلى البريق، بريق الذهب الأخاذ فخفض عينيه المرتفعتين، بينما يقول إسماعيل للجدة: كلما رفع عينيه انثري له ذهباً حتى يتعود النظر إلى أسفل فابتسمت قائلة: هذا دواء لا يخرج إلا من صيدليتك يا مولاي. قال: جيئي به إلى متى شئت، إني آخر من ينثر الذهب في مصر.[i]

 

استمرت جدته في كفالته، وقامت على تربيته في سن المهد وإلى مراحل طفولته الوسطى، وكانت على نحو ما أثرنا تعيش بباب إسماعيل، فعاش معها الطفل حيث النعيم والترف والنشأة الأرستقراطية البعيدة عن نشأة أترابه من طوائف الشعب.

 

 

موهبة مبكرة وتعليم مدني ديني:

 

تلقى مبادئ القراءة والكتابة في مكتب الشيخ صالح الذي لقنه بعض السور القرآنية الكريمة، بين سن الرابعة والخامسة، بعدها أنتقل إلى مدرسة (المبتديان) الابتدائية، ثم انتقل منها إلى المدرسة التجهيزية، وفي المدرسة الأخيرة أظهر نبوغاً وتفوقاً مما أعطاه منحة التعليم المجاني مكافأة له، وتخرج أحمد شوقي في المدرسة التجهيزية وعمره خمس عشرة سنة، وقد عبر بوضوح عن أمارات الموهبة الشعرية، إذ أخذ يميل إلى نظم الأبيات المفردة، والأراجيز في موضوعات شتى مثل قوله:

 

أفريقيا قسم من الوجودفي شكله أشبه بالعنقود

 

وفي عام 1885م ألحقه أبوه بمدرسة الحقوق ليدرس القانون، وفي المدرسة برزت شخصيته بين أترابه، فهو في عزلة عنهم، في تأمل أو تخيل دائم، هادئ وديع، غافل عما يجري حوله فيمن ركض، غير مجتمع بزملاء الدراسة، ويصف د. شوقي ضيف مسلك الفتى القانوني بقوله: "... كأنما كان شوقي مشغولاً عن رفقائه وما هم فيه من لهو ولعب بحركات مضطربة مختلطة متشابكة، كانت تأتيها ربة الشعر من حوله بأجنحتها حين تصفق، فتملأ أذنه برنين وضجيج، ولا تترك له فسحة، كي يلم شتات نفسه، ويندمج في صحبة، إذ كانت تأخذ عليه كل طريق.." .

 

أحب شوقي العزلة الخيالية – لا الانطواء المرضي – عن أخدانه، وراح يوثق صلته بأستاذه الشيخ محمد البسيوني أستاذ اللغة العربية والشاعر الذي بهر شوقي في فصاحته وذوقه، بل مثله وقدوته من بين أساتذته المعدودين، ثم تخرج في قسم الترجمة عام 1887م. ويعمل بقلم الترجمة ثم يوفده الخديوي إلى أوربا وبالتحديد باريس ليكمل دراسة الحقوق بجامعة مونبيليه بفرنسا حيث درس وقرأ لأعلام الأدب والفكر وخاصة الرواد هوجو، ولامرتين، ودي موسيه، وجان دي لافونتين، واختلف إلى المسارح وتصل بالصحافة ودور الفن والأوبرا في باريس وإنجلترا، وفي عام 1892م يشترك في تأسيس وأنشطة "جمعية التقدم المصري" التي تناهض الاحتلال الأجنبي لمصر [ii].

 

 

من أوربا إلى قصر الحكم:

 

عكف أحمد شوقي على المدائح فترة طويلة من حياته بين الأعوام 1892م إلى سنة 1914م، حيث التغني في المواسم والأعياد وغيرها بأعمال الخديوي فحسب، يقول د. شوقي ضيف معللآ انحسار مهمة الشاعر ودوره في فترة ليست قصيرة من حياته:

 

"...وهذا طبيعي فقد كان يعيش حينئذ للقصر.ولم يكن يعيش للشعب، ومن أجل ذلك قصر تقصيراً واضحاً في مواقف شعبية كانت تستحق منه أن يتغنى في أثنائها بآلام الشعب، بل نجده أحياناً ينسى هذه الآلام التي كانت يرتجف لها الشعب كما ترتجف أوراق الشجر في أثناء العواصف. ولعل أوضح ما كان من ذلك موقفه من عرابي بعد عودته من منفاه، فقد استقبله بقصيدة، أقل ما يقال فيها إنها هجاء لقائد من قادة الشعب، ويكفي مطلعها الذي يقول فيه:

 

صغار في الذهاب وفي الإيابأهذا كل شأنك يا عرابي

 

ولم يذهب عرابي صاغراً ولا آب صاغراً. بل كان الشعب المصري، ولا يزال بعده بطلاً في الذهاب وفي الإياب [iii].

 

وخفت صوت الشاعر عن أحداث جسام مر بها الوطن ورجاله، أهمها حادثة دنشواي التي تأخر انفعاله بها قرابة العام، وهي مأساة ومذبحة المحتل... ! يقول في مطلعها تحت عنوان ذكرى دنشواي:

 

يا دنشواي على رباك سلامذهبت بأنسى ربوعك الأيام

 

عشرون بيتاً أقفزت وانتباهابعد البشاشة وحشة وظلام

 

و تلكأ الصوت الشعري المرتجى من أحمد شوقي إذ يرثي البارودي – جاره- أو صديقه الفقيد الشاب مصطفى كامل:

 

لقد كتب الرثاء بعد حين، وواقع الأمر أن قصيدة شوقي في رثاء مصطفى كامل آية من آيات القصائد العربية في غرض الرثاء ومنها:

 

المشرقان عليك ينتحبانقاصيهما في مأتم والداني

 

ومن القصيدة ذلك البيت الشاهد أو المثل الحكيم:

 

دقات قلب المرء قائلة لهإن الحياة دقائق وثواني

 

وعن هذه المرحلة من حياة الشاعر يقول د. هيكل في مقدمة الطبعة الثانية من الشوقيات "وإنك لتكاد تشعر حين مراجعتك أجزاء ديوانه كأنك أمام رجلين مختلفين جد الاختلاف لا صلة بين أحدهما والآخر، إلا أن كليهما شاعر مطبوع، يصل من الشعر إلى علياء سماواته، وأن كليهما مصري يبلغ حبه مصر حد التقديس، أما فيما سوى هذا فأحد الرجلين غير الرجل الآخر أحدهما مؤمن عامر النفس بالإيمان، والآخر رجل دنيا سافر من الناس وأمانيهم وهذا الازدواج ظاهر في شعر شوقي من أول شبابه غلى وقتنا الحاضر...[iv] "ويفسر تلك المقولة حول تلكم الفترة من حياة شوقي الدكتور شوقي ضيف فيذكر:

 

"... وهو في القصر والحياة الاجتماعية يشبع مزاج أميره وذوقه ويحاول أن يكسب مزاج الجمهور وذوقه، فيؤلف له أغاني وأناشيد في تاريخه ونيله، أو في الخلافة والإسلام أو في مدائح الرسول – صلى الله عليه وسلم – كقصيدته التي نظمها في سنة 1909 والتي قلد فيها صاحب نهج البردة:

 

ريم على القاع بين البان والعلمأحل سفك دمي في الأشهر الحرم

 

والأخرى التي قلد فيها همزتيه:

 

ولد الهدى فالكائنات ضياءوفم الزمان تبسم وثناء

 

 

من مرحلة المنفى إلى إمارة الشعر:

 

في عام 1914 والحرب العالمية الأولى تضع أوزارها نصبت بريطانيا السلطان حسين حاكماً على مصر، ومن بين من تم نفيهم من معية إسماعيل شاعره أحمد شوقي الذي غادر مصر إلى أوربا، فحط أول الرحلة في برشلونة بإسبانيا، خلف نعيم القصر، وضاحية حلوان، وكرمة ابن هانئ فيحزن ويتذكر، مكنه يفيق على درس تجربته الأولى الطويلة، ألا وهو أسير الإمارة والمدائح والابتعاد عن دور الشعر ورسالة الشعراء، وتمضي السنوات وهو يقرأ ويكتب، ثم يكتشف دوره المنتظر أو كيف يحرر شعره من قيوده الضيقة وأغراضه المحدودة. كان التراث ملاذه يستقرى حوادثه ورجاله وأوطانه، عمق المفهوم غزارة محصول قراءته، وناتج تجربته، وفيوضات موهبته، عوامل جديدة طوفت مع ربة الشعر فيؤكد عزمه القوي على التحليق والفكاك من الأسر، لتبدأ مرحلة أخرى من حياته، لقد ثقف الشاعر ثقافة عربية وأوربية، وأفاد أيضا من نتائج تجربة الأسر أو النفي مع بعض معية القصر فحسب، كان أهم ما قام به من تجديد هو الالتفات إلى التاريخ الذي يعظ يستنفر الأمة ويتغنى بالأوطان ويعكس آلام الناس وأحلامهم، بدأ من الأجداد، من الفراعين، والمجد العربي الإسلامي وبخاصة المجد الداثر في الأندلس والتي يستهلها إذ يمزج بين "الوطن" و"الأمة" فيذكر من قصيدة له:

 

اختلاف النهار والليل ينسيأذكرا لى الصبا وأيام أنسى

 

وسلا مصر هل سلا القلب عنهاأو أسا جرحه الزمان المؤسي

 

أحرام على بلابله الدوححلال للطير من كل جنس

 

وطني لو شغلت بالخلد عنهنازعتني إليه في الخلد نفسي

 

شهد الله لم يغب عن جفونيشخصه ساعة ولم يخل حسي

 

إن الفاصل الزمني بين النص السابق وبين رصيفه الموازي الثاني يؤكد الفروق النفسية والشعورية، بل الفكرية، مع أن التجربة واحدة والشاعر الذي صاغهما واحد، أما الذي أختلف هو تحول أحمد شوقي على الصدق والوعي الفنيين، فهو في معية الأمير يقول:

 

أحبك مصر من أعماق قلبيوحبك في صميم القلب نام

 

سيجمعني بك التاريخ يوماإذا ظهر الكرام على اللئام

 

لأجلك رحت بالدنيا شقياأصد الوجه والدنيا أمامي

 

وأنظر جنة جمعت ذئابافيصرفني الإباء عن الزحام

 

وهبتك غير هياب يراعااشد على العدو من الحسام[v]

 

ونظرة إلى الأبيات السابقة ستجدها اقل فناً وصدقاً ونضجاً عن الأبيات البديعية التي تسبقها

 

كانت مدة المنفى بين الأعوام 1914 إلى سنة 1919 فترة خصيبة في التكوين الفكري، وتنوع الإبداع الشعري عند شوقي، فمن التنقيح إلى جديد شعري في الأغراض المستحدثة، وإلى ابتكار ألوان تعبيرية، لقد فطن أحمد شوقي إلى دوره الجديد، لم يؤرقه سوى الحنين بعد الفراق واللوعة في الغربة، وقد سجل ذلك نثراً في كتابه (أسواق الذهب):

 

"... إن للنفي لروعة، وإن للنأي للوعة، وقد جرت أحكام القضاء، بأن نعبر هذا الماء، حين الشر مضطرم، واليأس محتدم، والعدو منتقم، والخصم محتكم، وحين الشامت جذلان مبتسم، يهزأ بالدمع وإن لم ينسجم، نفانا حكام عجم، أعوان العدوان والظلم، خلفنا هم يفرحون، ويمرحون في أرسان يسمونها الحكم. ضربونا بسيف لم يطبعوه، ولم يملكوا أن يرفعوه أو يضعوه، سامحهم في حقوق الأفراد، وسامحوه في حقوق البلاد، وما ذنب السيف إذا لم يستح الجلاد... "

 

وفي عام 1919م أمر السلطان حسين كامل بعودة أحمد شوقي من المنفى فاستقبل من طوائف الشعب استقبالا انفعل له وتأثر به، وصل في البداية إلى الإسكندرية ثم إلى القاهرة وهي تموج كبقية الحواضر بوحدة الشعب الوطنية. وخرجت الصحف ترحب بمقدمه بالمقالات والقصائد والصور، وعيون الشعر الوطني ومنه ما ارتجله حافظ إبراهيم:

 

الحمد لله الذي قد ردهمن بعد غربته إلى أوطانه

 

فتنظروا آياته وتسمعواقد قام بلبلكم على أغصانه

 

وقول شوقي:

 

ويا وطني لقيت بعد يأسكأني قد لقيت الشبابا

 

ولو أني دعيت لكنت دينيعليه أقابل الحتم المجابا

 

أدير إليك قبل البيت وجهيإذا فهمت الشهادة والمتابا

 

ثم بدأت روائع شعر شوقي وإسهاماته الجديدة، في الوطنية، وحكايات الحيوان، والدعوى لإرساء دعائم لأدب مستحدث للأطفال، وفي الوصف، وفي الاجتماعيات، وفي التعبير عن الحياة المصرية والعربية والإسلامية تعبيراً صميماً، وانفرد لأول مرة في تاريخ الأدب العربي بالتأليف الشعري المسرحي (التاريخي والغنائي، والتجريب الدرامي) أي أنه طبق في أعقاب عودته رأيه القائل:"إني كنت ولا أزال ألوي الشعر على كل مطلب وأذهب من فضائه الواسع كل مذهب "

 

وحيث طبعت (الشوقيات) طبعة جديدة مزيدة ومنقحة (ثالثة) عام 1927م وهي الطبعة التامة الأجزاء، عقدت دار الأوبرا احتفالا عربياً بتلك المناسبة وتوج أحمد شوقي في الاحتفال بإمارة الشعر العربي من وفود الدول العربية.

 

وظل الشاعر في – كرمته – يكتب أشعاره ومسرحياته الشعرية، وينسقها وخاصة إنتاجه النثري والشعري في فترة المنفى، وفي أكتوبر عام 1932م مات أمير الشعراء أحمد شوقي عن أثنين وستين سنة.

 

 

أهم آثاره الإبداعية والفكرية

 

الشوقيات (ديوان الشاعر) وطبع غير مرة:

 

‌أ-ط 1 عام 1898م بمقدمة د. محمد حسين هيكل (الجزء الأول).

 

‌ب-طبعة عام 1911م بمقدمة محمد سعيد العريان (ينقصها باب الحكايات).

 

‌ج-الطبعة التامة عام 1927م مشتملة أشعاره جميعاً عدا (المسرحيات الشعرية).

 

الشوقيات المجهولة.

 

المسرحيات الشعرية:

 

·مصرع كليوباترا(شعرية)

 

·مجنون ليلى(شعرية)

 

·على بك الكبير(شعرية)

 

·عنتــــرة(شعرية)

 

·أمير الأندلس(شعرية)

 

·الست هدى(نثريــة)

 

أسواق الذهب، كتاب نثري مسجوع طبع بعد وفاته عام 1933م، وللشاعر أحمد شوقي متفرقات نثرية وشعرية لم تطبع في حياته كأحد الملامح المهمة في فن شوقي حصرها الدارسون لأدبه وحياته وآثاره الفكرية وهم كثر في المكتبة العربية. وقد توفر العريان على طباعتها ونشرها بعد وفاة شوقي [vi]، وقد قدمت الببليوجرافيا التي قدمها د. طه وادي في كتابه شعر شوقي الغنائي والمسرحي تفصيلات تلك الآثار النثرية والشعرية.

 

مقتطفات من شعره وظاهر فنه:

 

يقول د. هيكل في مقدمة الشوقيات يصف بناء الصورة الفنية البديعة في بحر موسيقى نادر ومستحدث هو مجزئ (المتدارك) والتي مطلعها:

 

مال وأحتجبوأدعى الغضب

 

إذ يقول:

 

أرتضى المـلامن بني الصلب

 

منحسائهمسرب أنسرب

 

بين كوكـبيسحب الذنب

 

عند جـؤذرفاتن الشنب

 

عند شـادنحاسر اللبب

 

تذهب النهىأينما ذهب

 

يلفت المـلاكلما وثب

 

في غلائـلسندس قشب

 

دونهـن لايثبت اليلب

 

فرنهــدهعطفة إضطرب

 

خصره هباصدره صيب

 

وليتأمل القارئ قصيدة أخرى من قصائد شوقي في الجمال كمثال، أو النسيب كغرض، لأن شعره خال من الغزل أو العاطفة تجاه المحبوبة، فيجد المثال أو الجمال في روح إمرأة ما يتلمس فيها معنى الجمال، خصوصاً إذا كان اختيار اللفظ وحسن اختيار الصور الخيالية مما يرتفع بهذا الشعر إلى أسمى الذرى ومنه هذه الأبيات:

 

مولاي وروحي في يدهقد ضيعها سلمت يده

 

ناقوس القلب يدق لهوحنايا الأضلع معبده

 

قسماً بثنايا، لؤلؤهاقسم الياقوت منضده

 

ورضاب يوعد كوثرهمقتول العشق ومشهده

 

ويخال كاد يحج لهلو كان يقبل أسوده

 

وقوام يروي الغصن لهنسباً والرمح يفنـده

 

وبخصر أوهن من جلديوعوادي الهجر تبدده

 

ما خنت هواك ولا خطرتسلى بالقلب تبرده [vii]

 

وكان أحمد شوقي في شعره مسلماً شديد الاعتزاز بإسلامه، تجاوز بشعره رواد الشعر الإسلامي إلى آفاق أرحب وأجمل، ومن أروع إسلامياته، همزتيه النبوية التي يستهلها بقول:

 

ولد الهدى فالكائنات ضياءوفم الزمان تبسم وثناء

 

أيضاً مدائحه النبوية في المناسبات الإسلامية، وقصيدة (إلى عرفات) ومعارضته الرائعة لنهج البردة التي يقول في مطلعها:

 

ريم على القاع بين البان والعلمأحل سفك دمي في الأشهر الحرم

 

أما النيل في شعره فقد حظي مرتبة فائقة في المستويين الفصيح والشعبي، ومن الشعر الفصيح في النيل بقوله:

 

من أي عهد في القرى تتدفقوبأي كف في المدائن تغدق

 

ومن السماء نزلت أم فجرت من عليا الجنان جداولاً تترقرق

 

ومنه أيضاً قوله:

 

وما هو ماء، ولكنهوريد الحياة وشريانها

 

تتمم مصر ينابيعهكما تتمم العين إنسانها

 

وأهلوه منذ جرى عذبهعشيرة مصر وجيرانها

 

وفي الأبيات التالية يصف الآثار القديمة الغرقة في مياه النيل عند جنوب مصر فيذكرها مع صف بديع:

 

أيها المنتحي بأسوان داراكالثريا تريد أن تنقضا

 

أخلع النعل واخفض الطرف وأخشعلا تحاول من آية الدهر غضا

 

قف بتلك القصور في اليم غرتيممسكاً بعضها من الذعر بعضا

 

مشرفات على الزوال وكانتمشرفات على الكواكب نهضا

 

شاب من حولها الزمان وشابتوشباب الفنون ما زال غضا

 

*********

 

ومن جديد ابتكارات شوقي ريادته الأولى لنوعين من أنواع الأدب وهما:

 

1-الشعر المسرحي.

 

2-أدب الطفولة.

 

والنوع الأول (المسرح الشعري) الذي راده شوقي في أدب العربية على امتداد تاريخها، يدلنا على عبقرية شاعر العصر الحديث، فهو أول من القي في التربة بذور المسرح الشعري، أحتفل بالغنائية و أصبحت كما يقول د. طه وادي سمة " أساسية في شعره المسرحي، وربما كان ثراؤها مصدر ضعف عندما تقوم تجربته درامياً وقد وضع كيف أن هذه السمة – أي الغنائية – تتبدى من خلال تلك المقطوعات التي تصل إلى مائة وإحدى وعشرين مقطوعة في مسرحه كله. كذلك فإنها تظهر أيضاً من خلال (الحوار) مهما كان قصيراً، وهذا ما يعكس قدرة شوقي على التعبير بالحوار الغنائي أيا ما كان حجم هذا الحوار الذي تنطق به شخصيات مسرحه "..

 

لقد كان مسرحه فاتحة أولى في أدب العربية، وتطبيق قواعد بناء النص المسرحي بالمعايير الفنية أو الدرامية على أدب كمن يريد أن يهدم الأساس الغنائي الغالب في شعره المسرحي في بناء الشخصيات، والحوار، والصراع، والإيقاع في تنوع بارع، الأمر الذي عضده د. وادي بقوله إذ يتناول التنوع في الموسيقى الشعرية – هنا – فيذكر:

 

"... ولا شك أن هذا التجديد في (موسيقى الشعر) عند شوقي يعد ابتكارا له تأثيراته الفنية المتنوعة، إذ نجد الشاعر لا يتقيد بوزن واحد، وبالتالي بقافية واحدة طوال المسرحية، بل حتى خلال حوار شخصية واحدة، لا سيما إذا كان الموقف النفسي المعبر عنه مركباً، ومن ثم يجئ تغيير الوزن والقافية – في الغالب- دلالة على ارتباك الحالة الشعورية وتشتت الروابط الفكرية في إطار منطق الشخصية فيما تنطق به من حوار شعري.

 

كان أحمد شوقي بحق رائد الشعر المسرحي، وأول من عبد الطريق في نوع أدبي مستحدث في القرن العشرين، وتابع أدواره من بعده في أدب اللغة العربية شعراء كبار بدا عليهم يلتفتون إلى النص باعتباره فناً، وكونه عرضاً مسرحياً بعد ذلك، ومن ثم تقاس عليه الأطر الفنية الدرامية أو الغنائية أو الملحمية مع غيرها من علوم المسرح ومكملاته.

 

أما النوع الثاني الذي راده أيضاً فهو أدب الطفولة من خلال مقولته أو دعوته النظرية لقيام جنس أدبي مستحدث لجمهور الأطفال، وبحث كبار الأدباء على التوفر على تشييد قواعده، ولم يكتف بذلك، بل أودع الشوقيات أكثر من خمسين نصاً للأطفال وعنهم، أي أنه ألتفت إلى التطبيق العملي لما دعا إليه من قيام جنس أدبي هو أدب الطفل العربي، لذلك أودع الشوقيات تحت عنوان الحكايات ومنه: " حكاية الثعلب والأرنب والديك ":

 

من أعجب الأخبار أن الأرنبالما رأي الديك يسب الثعلبا

 

وهو على الجدار في أمانيغلب بالمكان لا الإمكان

 

داخله الظن بأن الماكراأمسى من الضعف يطيق الساخرا

 

فجاءه يلعن مثل الأولعداد ما في الأرض من مغفل

 

فعصف الثعلب بالضعيفعصف أخيه الذيب بالخروف

 

وقال: لي في دمك المسفوكتسلية عن خيبتي في الديك

 

فالتفت الديك إلى الذبيحوقال قول عارف نصيح

 

ما كلنا ينفعه لسانهفي الناس من ينطقه مكانه

 

ومنه حكاية (الثعلب وأم الذئب):

 

كان ذئب يتغذىفجرت في الزور عظمه

 

ألزمته الصوم حتىفجعت في الروح جسمه

 

فأتى الثعلب يبكيويعزي فيه أمه

 

قال يا أم صديقيبي بما بك غمه

 

فاصبري صبراً جميلاًإن صبر الأم رحمه

 

فأجابت: يا أبن أختيكل ما قد قلت حكمه

 

ما بي الغالي ولكنقولهم مات بعظمه

 

ليته مثل أخيهمات محسوداً بتخمة

 

كانت الريادة نظرياً وعملياً فتحاً جديداً أيضاً، لكن التطبيق العملي في حكايات الأطفال أعلى لغة وأكثر رمزاً وخيالاً على مستوى أفهام الصغار من أطفالنا، لذا يعد عامل الداء اللغوي عند الشاعر بمستواه الثابت في أغلب حكاياته، من أهم العوامل التي نراها عقبة أمام جمهور الأطفال للإدراك والاستيعاب، فلغة الشاعر في مستواها ومنزلتها العالية الفصيحة، لا يقدرها أو يدركها أطفال مرحلتي الطفولة المبكرة والوسطى وأوائل مرحلة الطفولة المتأخرة في بعض الحكايات – إذا وضعنا في الاعتبار، المحصول أو درجة النمو اللغوي عند الطفل – ومع ذلك فقد ثبت الأداء اللغوي عند الشاعر على درجة واحدة لا تصل إلى التعقيد، وتنزل إلى التيسير أو السهولة إلا في القليل النادر. فمعظم باب الحكايات لا يخاطب أطفال مرحلتي الطفولة المبكرة والوسطى للعوامل التالية:

 

1-ذيوع الرمز السياسي في الحكايات، أمثال: (نديم الباذنجان، سليمان والطاووس، ولي عهد الأسد، وخطبة الحمار) وغيرها من الحكايات المماثلة.

 

2-طول الحكايات، أمثال: (الأسد والثعلب والعجل، أمة الأرانب والفيل، الأفعى النيلية والعقربة الهندية)، وغيرها من الحكايات المماثلة التي لا يستطيع هؤلاء الأطفال متابعتها ذهنياً بالتركيز أو الاستيعاب.

 

3-ارتفاع المستوى اللغوي في بعض الحكايات أمثال: (السلوقي والجواد، العصفور والغدير المهجور، حكاية الخفاش ومليكه الفراش)، وغيرها من الحكايات التي لجأ الشاعر في نظمها إلى استعمال مفردات صعبة أو صورة شعرية مكثفة مما يحتاج الشارح أو القارئ على مسامع الأطفال إلى تفسيرها أو تذييلها بالهامش، أي أن الطفل بحاجة إلى قاموس لغوي، أو وسيط يعاونه، وعلى العكس كان لغة شوقي لجمهور الكبار لغة راقية تعكس فهم الشاعر للتراث واسترفاده فيناً، فكان " الأداء اللغوي للجملة الشعرية عند شوقي به سمة مميزة (معجزة) تذكرك بالمتنبي ونظرائه وأساليبهم الشعرية النقية، لأن فيها من الجرس الموسيقي ما يدل على عبقرية خلافة ومن أصلح النماذج للغناء والتحليق.

 

إن سيطرة الوعي الفني والتاريخي في بناء القصيدة عند شوقي يمثل واسطة العقد بين تفرده، بل قدرته على موسيقى بديعة انتظمت إبداعه طوال تاريخه، وليس من شك أن البعث والتجديد في شعره لم يكن في الشكل بل في مضامينه الدالة، وعلى طبيعة دور الشاعر ومهمته في الحياة وخاصة في أعقاب عودته من المنفي.

 

رحم الله "أحمد شوقي" شاعر الأمراء، وأمير الشعراء، وزعيم مدرسة الإحياء والبعث والتجديد في الشعر العربي الحديث.

 

دراسة وإعداد / ياسر دويدار

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.