أحمد بن محمد بن حنبل الذهلي الشيباني البكري العدناني العربي الأصل، العالم والمحدث والفقيه وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وأمه صفية بنت ميمونة بنت عبد الملك الشيبانية.
قد يهمك أيضًا
جوك أدب | أحبا بعضهما البعض دون مقابلة واحدة! حكاية مي زيادة وجبران
أم صنعت رجلًا من عظماء التاريخ
نشأ الإمام أحمد بن حنبل يتيمًا، فقد فَقَد أباه وهو لا يزال طفلًا صغيرًا لا يتجاوز عمره السنتين، فكفلته أمه صفية واعتنت به وربته جيدًا على مكارم الأخلاق والطيب والعلم النافع.
وجعلت تُنمي مواهبه منذ صغره، فكانت تُلقي عليه أخبار الأبطال والزهاد والعلماء والصالحين، وكانت توقظ ابنها الذي لم يتم العاشرة من عمره قبل صلاة الفجر وتُهيئه للذهاب إلى المسجد وتذهب معه وتنتظر ابنها الصغير حتى ينتهي من صلاة الفجر وتعود به آيبة إلى البيت.
لقد شجعت ابنها وحفزته على طلب العلم منذ صغره وأعانته على نفقة البيت، فكانت تغزل المنسوجات القطنية وتبيعها، إضافة إلى أجرة دكان ورثه أبو أحمد بن حنبل، فكان ذلك كله حافزًا وداعمًا لأحمد بن حنبل لمواصلة طريقه الطويل في طلب العلم.
وُلد ابن حنبل في سنة 164هـ في العصر العباسي الأول في بغداد، فقد نشأ الإمام أحمد بن حنبل في بغداد في إبان الخلافة العباسية في أبهى عصورها، وعاصر هارون الرشيد وهو لا يزال فتى غرًّا، وعاصر أبناءه الأمين والمأمون والمعتصم وابن المعتصم وكان قد بلغ سن الرشد -فوق الأربعين سنة-، وأيضًا عاصر الواثق والمتوكل على الله إبان كهولته.
قد يهمك أيضًا العلامة الأردني روكس بن زائد العزيزي.. يرصد تطور الشعر والأدب في البادية
رحلات الإمام أحمد في طلب العلم وأهم مؤلفاته
كانت بغداد قبلة الفلاسفة وطلبة العلم بمختلف مشاربهم وأمصارهم، وكانت درة الأرض وجوهرتها في إبان دولة هارون الرشيد وابنه المأمون، فقد أنشأ الرشيد دارًا للكتب ومكتبة أسماها مكتبة الحكمة تضم كل أنواع العلوم المختلفة، سواء أكانت الطب أم الفلك أم الحساب أم الأدب أم غيرهم.
وحذا ابنه المأمون حذوه، فقد وسع مكتبة دار الحكمة وضم إليها كثيرًا من الكتب والمجلدات.
بدأ أحمد بن حنبل العمل في دار الحكمة إبان دولة الرشيد ناسخًا بعض الكتب، وكان يُوفِّق بين عمله وذهابه لطلب العلم، وقد تعلم من أبي يوسف الواسطي تلميذ أبي حنيفة بن النعمان وتعلم من الإمام الشافعي ومن مشايخ بغداد وعلمائها.
وذهب لطلب العلم بتحفيز من والدته إلى البصرة ومكة والمدينة المنورة، وذهب إلى اليمن إلى صنعاء لتلقي العلم عن الإمام عبد الرزاق الصنعاني، ومكث فيها سنتين وبضعة أشهر يطلب فيهم العلم، وكان حريصًا على طلب العلم يصوم أغلب أيامه ويُفطر بالشيء اليسير من الخبز والتمر.
ثم ذهب أحمد بن حنبل إلى تهامة وزبيد وشرب العلم من علماء زبيد باليمن، ولم يتزوج ابن حنبل إلا بعد أن بلغ سن الأربعين، لقد تبتل طيلة أربعين سنة طالبًا العلم، وبعد سن الأربعين تفرغ ابن حنبل للفتوى وتدريس الطلبة.
وقد ألَّف ابن حنبل مسند الإمام أحمد في علم الحديث، الذي يُعد من أهم مراجع الحديث، ودوَّن فيه أكثر من ست مئة ألف حديث.
وألَّف ابن حنبل كثيرًا من الكتب والمدونات، منها مؤلفات في فضائل الرجال وفي الجرح والتعديل وفي الرد على المعتزلة.
قد يهمك أيضًا عمر الخيام - سيرة ذاتية
محنة الإمام أحمد
تعرض ابن حنبل لمحنة من قبل الخليفة العباسي المأمون، فكان لزامًا عليه أن يُقرَّ بأن القرآن مخلوق أو يُنزل فيه الخليفة أقسى عقوبة التي قد تصل إلى الموت، لكنه لم يكترث وجعل يُصرُّ على ما يراه، وقاوم وحاور كل مَن أرادوا أن يُكرهوه على قول أن القرآن مخلوق.
تعرض ابن حنبل للضرب والتشريد في عهد المأمون، وقد طلبه المأمون عندما كان في طرطوس ليتحاور معه ويُنزل فيه العقوبة إن أصرَّ على موقفه، لكن الأقدار حالت دون لقاء ابن حنبل والمأمون؛ فقد توفي المأمون في أثناء ذهاب أحمد بن حنبل إليه مكبلًا بالقيود والسلاسل مع عسكر الخليفة.
وتولى الخلافة من بعد المأمون المعتصم، الذي حذا حذوه وفرض آراءه الدينية على كل أمصار البلاد، وأكرهالعلماء والدعاة والقضاة والوعاظ على القول بخلق القرآن ومَن لن يمتثل فله الجلد أو القتل بالسيف أو السجن.
لم يُذعن ابن حنبل رغم توسل أحبابه وأهله وعمه وبعض محبيه وتعرض للسجن والضرب، فضُرب بالسياط حتى سالت الدماء من ظهره، وحتى إنه كان يُصرع ويهذي ولا يعلم ما يقول من هول العذاب الذي لحق به، حتى إن بعضهم قال ضرب أحمد بن حنبل ضرب البعير، ولو كانت البعير لما تحملت ما تحمل ابن حنبل!
وانتهى الأمر بالإفراج عنه بسبب مظاهرات الناس وخروج أغلب سكان بغداد -حاضرة عاصمة دولة الخلافة العباسية- يُنادون باسم الإمام أحمد بن حنبل ويهتفون له. وقد سُجن الإمام قرابة الثلاث سنوات، وكان علمًا نابغًا أثَّر في كل مَن كانوا معه بالسجن ليخرجوا من السجن وعَّاظًا ومحدثين وزهادًا تُجملهم الأخلاق الحسنة ومكارم الأخلاق.
قد يهمك أيضًا مسيرة حياة الشيخ طلحة وأهم إنجازاته.. معلومات لا تفوتك
عزل الإمام ابن حنبل داخل منزله
ودارت الأيام حتى توفي المعتصم، وتسلَّم مقاليد الحكم من بعده ابنه الواثق الذي أصدر حكمًا عندما اعتلى منصبه يقضي بنفي ابن حنبل من بغداد واعتزاله الناس.
وظل ابن حنبل متصوفًا معزولًا قرابة ثلاث سنوات وبضعة أشهر، لا يأتي إليه إلا طلابه المقربين وأهل بيته وأبناءه، صالح الابن الأكبر للإمام وعبد الله الابن الآخر للإمام وعمه إسحاق وزوجته حُسن، فحكم ابن حنبل على نفسه بأن يلزم بيته ولا يغادره ولا يرى وجه الخليفة طيلة حياته.
عزم ابن حنبل ونزل بيته وظل ملازمًا بيته طيلة حكم الواثق، إلى أن تولى الحكم بعده أخوه المتوكل على الله، الذي زار ابن حنبل وغيَّر دستور أخيه وأبيه وعمه القهري.
وشجَّع وقرَّب ابن حنبل وطلابه وسلَّمهم مقاليد الأمور والقضاء والجيش والحجابة، ونَشَر كتبهم وأكرم أهل السنة والجماعة، وحاول مرارًا إعطاء والإغداق على ابن حنبل بالمال فأعطاه 10 آلاف درهم، لكن أحمد بن حنبل وزعهم على فقراء أهل بغداد.
وحاول المتوكل أن يُجلس ابن حنبل في قصر الخلافة ويكون معلمًا لابنه المعز، لكن الأخير رفض وظل زاهدًا عابدًا ورعًا قانتًا عالمًا يصوم أغلب أيام الدهر إلى أن وافته المنية في بغداد سنة 241هـ عن عمر ناهز السبعة والسبعين عامًا.
وحضر جنازته جمع غفير من الناس فكانت جنازة أحمد بن حنبل من أشهر الجنازات في التاريخ التي ذكرها التاريخ القديم بعد جنازة نبي الله داود.
وتشبه جنازة الإمام أحمد في التاريخ الإسلامي جنازة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في التاريخ الحديث، فكأن سيولًا وأنهارًا بشرية تُشيع جثمانَي مَن رحلا.
قد يهمك أيضًا
ممتاز
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.