أحذية الإنسانية الحديثة!

قد لا تصدق أن هذا الحذاء المتواضع الذي تراه أمامك رابضاً في الصورة المرفقة، قيمته الشرائية لا تقل عن 27 ألف دولار أمريكي .. دولار ينطح دولار!

والسبب ببساطة لأنه مصنوع بالكامل من جلد إنسان حقيقي.. يعني بني آدم مثلي مثلك!

قرأت هذا الخبر المُفزع قبل عامين تقريباً، ولم أصدق حينها حتى بعثت إيميل للشركة المتخصصة في هذه التجارة وتدعى "هيومن ليذر"، وسألتها عن السبيل للحصول على إحدى منتجاتها في منطقة الشرق الأوسط، فجاءني هذا الرد:

"نحن شركة متخصصة في المنتجات الجلدية ونصنع عددًا محدودًا جدًا من القطع سنويًا اعتمادًا على مخزوننا من المواد الخام.

لقد أغلقنا دفتر الطلبات قبل بضع سنوات حيث أصبحت قائمة الانتظار كبيرة جدًا بالنسبة لنا، ولا يمكننا تلبية جميع طلباتنا المعلقة، ومع ذلك سنفتح قائمة انتظارنا مرة أخرى لعملائنا الحصريين، يرجى إبقاء البريد الوارد مفتوحاً"... انتهى رد الشركة.

صحيح أن الرد قد يكون تلقائي في مثل هذه الشركات، خصوصاً عند يُشاهدون إيميل المرسل من النوع المجاني وقادم من الشرق الأوسط واليمن تحديداً، فمؤكد سيكون تفكيرهم: هذا مش حق شراء .. لا تصدقوه !

وطبعاً هذا المنتج ليس الوحيد الذي تُوفره هذه الشركة بالبيع المباشر عبر موقعها الإلكتروني، بل توجد أيضاً العديد من المنتجات المصنوعة من جلود البشر، كمحافظ النقود وحقائب اليد والأحزمة وأساور الطاقة وغيرها من المنتجات التي يتهافت كبار الأثرياء والمشاهير حول العالم على شرائها واقتنائها وبأسعار باهظة لا تقل عن 14000 دولار أمريكي لأتفه قطعة!

ورغم بشاعة هذه التجارة وفظاعتها، إلا أن الشركة التي تعمل فيها – وهي شركة بريطانية بالمناسبة - لا تخفي ممارستها ولا تشعر بالحرج من ذلك، بل تفتخر لكونها الوحيدة في العالم التي تقدم مثل تلك المنتجات الجلدية الخاصة!

كما توفر عبر موقعها الالكتروني إجابات للعديد من استفسارات وتساؤلات الجمهور والزوار، كالسؤال عن سبب استخدام الشركة لجلود بشرية وليس حيوانية، ليبرر ذلك بأن الجلود البشرية أرقى من حيث الجودة والمتانة وأفضل في الصناعة، وأيضا لأنها "أقل تسببا بالحساسية" و "أكثر نعومة" و"لديها أصغر حجم حبوب مما يجعلها أنعم الجلود على الأرض"!

وسؤال آخر موجه للشركة عن طريقة تعاملها مع هذه الجلود، وأماكن استخلاصها في جسم الانسان، فيجيب الموقع بأن جميع منتجاتهم المعروضة تُصنع يدوياً ومن جلود بشرية طبيعية 100%، وأن لديهم العديد من الحرفيين الأسبان المتخصصين في التعامل مع هذا النوع من الجلود، والتي يتم دباغتها بالطريقة التقليدية للتخلص من العيوب البسيطة التي قد تصيبها، وأما عن "أفضل المناطق التي يتم استخلاص الجلد منها فهي منطقتي الظهر والبطن حيث يمكن استخلاصها دون انقطاع، وبالتالي فهي الأفضل للمعالجة والتصنيع في الحقائب والمحافظ".

وقبل أن تُراودكم الأفكار المجنونة التي تبادرت إلى ذهني، أنقل إليكم هذا التنويه الذي وضعته الشركة على واجهة موقعها الإلكتروني، وكأنها تقرأ أفكارنا قائلة: "ليست كل الجلود مقبولة أو يمكنك بيعها لأنك ببساطة لم تقم بالترطيب الكافي لبشرتك وأنت على قيد الحياة" بمعنى لا تفكروا في الاستثمار ببيع جلودكم لنا، فليست ضمن المواصفات التي نطلبها!

ختاماً، يُخبرك الموقع أيضاً بأن شركتهم تعمل بشكل قانوني وتملك صلاحية كاملة في استخدام هذه الجلود بعد موافقة أصحابها على ذلك قبل موتهم، كما تقدم لأقاربهم من الدرجة الأولى مكافئات مجزية مقابل ذلك، ولكنه لا يخبرك بأي منطق أخلاقي وإنساني سُمح لهم بالمتاجرة بأعضاء وأرواح هؤلاء الفقراء وتحويل جلودهم إلى سلعة يتفاخر بانتعالها مجموعة من المرضى والساديين في أنحاء متفرقة من العالم، ويحدث ذلك في ظل تغاضي المنظمات الحقوقية الدولية التي طالما صدّعت رؤوسنا بالحديث عن الانسان وحقوق الانسان وكرامة الإنسان وحماية الإنسان وقداسة الانسان و... إلخ، فيما لا أستبعد أن يكون قادة هذه المنظمات وكبار مسئوليها من زبائن هذه الشركة وعملاءها الحصريين الذين تُفاخر بهم.. والله يستر !

بقلم / محمد حسين الرخمي

 

 

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي من اليمن