أجران من خشب شجرة (البُطْم)

 

أجران من خشب (البُطم)

إن أهم إفادة يُطْرفك بها الكتاب؛ معلومة أو خبر قد لا تسنح لك فرصة الاطلاع عليها في مكان آخر؛ فكل مضمون كتاب قائم بذاته؛ فريد في لغته وفي صياغة أفكاره؛ بل أكثر من هذا؛ هو يشكل جامعة لأفكاره وألفاظه ومعانيه؛ نادرة هي بعض الأحداث التي تأتي في سياقه السردي؛ لهذا كان للكتاب تلك المنفعة الجمة لمضامينه وأساليبه؛ فإن نُعت بأنه خير جليس؛ لما فيه خير للبشرية؛ فالأجمل أنه يُطلعك على غرائب الأمور؛ فيكون في ذلك كل الجدة في معرفتك للأشياء.

ما رود في نص إحدى روايات التاريخ الإسلامي؛ أن الأجران التي تُدق فيها حبوب البن بمِدقّ بعد تحميصها على النار لتُسحق، ويُسمع لتتابع الدق أصوات متتابعة ومتناغمة الرنات، وفي كل هذا لغة صوتية ورسالة إلى من يُستضاف؛ فيجلس إلى جُلساء؛ تُوزّع عليهم أقداح مسحوق القهوة المغلي في الماء الساخن؛ هي منحوتة من خشب شجرة تسمى البُطم
كل ما تريد معرفته عن القهوة أو
فما هو هذا النوع من الخشب، وما هي شجرته، وأين تنبت، وما هي ثمارها التي ربما تصلح للأكل، وكيف اهتدى إنسان المناطق التي تنبت فيها إلى جعلها مصدرا لخشب تُصنع منه أجران تهيئ مسحوق القهوة المحمصة؛ هرسا بالمتراس؟

نُرجأ الإجابة على هذه الأسئلة؛ حتى نقول بأن ما مَدّت به الطبيعة المحيطة الإنسان منذ البداية؛ كان سخاء منها؛ وماتزال على ذلك، وحري به أن يتصرف فيما تزوده به من مواد خام ومستلزمات حياته؛ بروية وبعقلانية؛ فلا إسراف ولا تقتير، ولا ضرر ولا ضرار، ولا مفر من هذا؛ لأنه يأكل ويحيا مما تجود به هذه الطبيعة.

أربعة أشياء صادرة عن الطبيعة كانت قاعدة لنمو وتطور أكبر؛ بل أعظم اقتصاديات العالم؛ ألا وهو اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية الرأسمالي الحر؛ قبل اكتشاف طاقات الأحافير؛ هي قطع الثلج التي كانت تُجلب من مناطق الجليد لحفظ المنتوجات الفلاحية والغذائية السريعة التلف والعفن، ويقال إن هذه الطريقة في الحفظ على طزاجة المواد الغذائية وعلي طراوتها ونقائها؛ كانت معروفة لدى الرومان، وزيت الحيتان الذي كان يُستخدم في الإنارة العمومية، وفي تعبئة خزانات قناديل إنارة البيوت؛ قبل اكتشاف النفط واختراع الكهرباء، والخشب لبناء البيوت، وأخيرا الذهب، ولهذا الأخير قصة تراجيدية طويلة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية؛ كانت هذه هي العناصر الطبيعية التي استند عليها ازدهار التجارة الأمريكية، وكانت دعامة لإقلاعها الاقتصادي على الأقل في القرن التاسع عشر؛ تناولها بالعرض والتحليل كتاب عنوانة إمبراطورية الثروة؛ ألفه جون ستيل جوردن (John Steele Gordon 1944-)؛ وهو كاتب أمريكي مُتخصص في التاريخ والتراث؛ نقله إلى العربية محمد مجد الدين باكير، متخرج من كلية الاقتصاد في سورية، ونُشر في سلسلة (عالم المعرفة) التي تصدر في الكويت، في سنة 2008.

فإذا حللت بجماعة بشرية تُعمّر ناحية من نواحي الكرة الأرضية؛ فابحث في بيئتها، وفيما يحيط بها من كائنات طبيعية؛ كانت نباتا أو حيوانا؛ فستكتشف ما يشدها إلى مكان إقامتها؛ أي بمعنى آخر ما مصدر عيشها؛ فمن الطبيعة يستمد ما يُبقيها حية فتُقيم بتلك الناحية، وإلا هاجرت؛ فقد يكون حيوانا بريا؛ كشأن قبائل (الإسكيمو) مع الفُقمة ودب براري القطب الشمالي المتجمدة؛ فمن فراء الدب تُدفئ أجسامها ومن شحوم الفقمة تستضيء في لياليها الطويلة المعتمة؛ ويَقْبن أفرادها (بمعنى تنزوي) في قَبَّان يُقبِّبونها بقطع الثلج، ومن جلودها تُغشى قواربهم (الكاياك)، أو نهرا يفيض في وقت من السنة؛ ثم تنحصر مياهه في وقت يلي مُخلّفا طميا خصيبا؛ تُستنبت فيه ما يُنتج الغلل أو أشجارا كما في شبه الجزيرة العربية؛ تفرز مادة ما يُعرف بالصمغ العربي، أو مادة لبخور؛ أثرى بهما فيما مضى من العصور عرب تلك البلاد، وغير هذا فشجرة تنبت فيما ارتفع من تضاريس بلاد الشام؛ تعطي من خيراتها الشيء الكثير؛ ثمارا تُزال قشرتها وَيَأْكُل لُبُّها، وخشبا تُصنع منه أجران في غاية الإتقان، بالحفر فيه والنحت عليه وتزويقه؛ تُدقّ فيها حبوب البن المحمص؛ فكانت أداة لنشاط يومي ومناسباتي؛ خلق عادات وفُلكلورا توارثته أجيال بلدان الشام والحجاز.
 تكون حبوب البن هي من دفعت قوم تلك البلاد إلى البحث عن خشب يُصنع منه جرن يُرديها مسحوقا قابلا للغلي في الماء الساخن؛ يَسْتَلِذّ شربُه؟ أم أن تلك الأجران كانت سابقة، فكانت لسحق أنواع حبوب التوابل؛ وهذه جُلبت منذ عهود قديمة من شبه الجزيرة الهندية.

 في آثار أمم العصور القديمة التي استقرت في بلاد دجلة والفرات وفي الشام، وأنشأت حضارات، والتي قامت بعدها بأزمان؛ مخلفات مادية لأجران ومهاريس وقد تصفحنا صورا فوتوغرافية وشاهدنا ما يجزم بوجود مثل ذلك، والسؤال الثاني هو: منذ متى جُلبت حبوب البن إلى البلدان العربية، واستُعملت أجران صُنعت من خشب البُطم لهرسها؟

إن في الموسوعات العلمية والتاريخية ما يغني معرفتنا بالبن؛ فقد حُرّر بأن الموطن الأصلي للشجرة التي تُعطي ثمارُها حبوب البن هو بلاد الحبشة؛ لما يُعطي طقسها الجوي ومناخها من شروط خاصة ومعينة تساعد على نمو تلك الشجرة، وأول بلاد نُقلت إليه للاستنبات هي البلاد العربية- لتنتشر بعد ذلك في بقاع أخرى من العالم- كان ذلك في القرنين السابع والثامن الهجريين؛ الموافق للقرنين الثالث عشر والرابع عشر، ومن ثمة فأجود أنواع البن الذي تُروّج بضاعةً للبيع في الأسواق العالمية هو نوع يسمى (مُخا) Moca والبن (العدني)، وبُنّ (الملك) (Leroy)، وبنّ (القلعة) (Kent)، وجميع هذه أنواع من البن العربي؛ أول الأنواع غالي الثمن لأنه ذو نكهة وطعم لذيذين؛ وهو غلة شجرة؛ كما سبق أن ذُكر أصلها من بلاد الحبشة.

كل ما تريد معرفته عن القهوة أو

ثم نعود إلى أداة سحق حبوب البن المحمصة؛ الجرن الخشبي؛ فنُحدِّق في شكله؛ ثم نقول إنه سابق لحاجة سحْق حبات البنّ المحمصة؛ بالقياس إلى زمن دخول البن إلى البلاد العربية، وكما لمسنا سابقا فيما تخلف من آثار الأمم السابقة، وإذا تأملنا طويلا في شكله وفي تزاويقه المحفورة على جوانبه؛ نكاد نقول إنها مُستحدثة مع حاجة سحق حبات البن المحمص، ولغرض آخر هو فولكلوري؛ مُتمثّل في الدقات التي يأتي بها الشخص الموكلة له مهمة الطحن بالمتراس؛ متتالية؛ مُصدرة صوتا تطرب له نفوس الذين استضيفوا لرشف القهوة من أكواب خزفية صغيرة لا أحسب إلا أنها صينية الأصل، ولهذا طقس يتحلق به الضيوف، وتُحمص حبات البن في مقال حديدية أمام عيون الحاضرين على النار، وتُدقّ بالمدق في فوهة جرن خشب البُطم ثم يُسكب الماء الساخن على مسحوقها؛ فتنقل نسائم النهار أو الليل رائحتها اللذيذة إلى أنوف المدعوين، فتتشممها بشغف.

ثم نجيب عن أحد تلك الأسئلة التي طرحناها في البداية، فنقول بأن على صفحات الموسوعات العلمية ترد معلومات عن شجرة البُطم فهو جنس من الشجر؛ يصل عدد أنواعه إلى عشرة؛ أَشْتَهِر أحدها بإنتاجه لحبات الفُستق؛ والمعروف بشجرة الفستق الحلبي؛ يعرف في العالم بهذا الاسم؛ لأن زراعته بمنطقة حلب بسوريا امتدت زمنا ولعدة قرون، ومنها انتشر في بلدان أخرى من العالم؛ تُحمّص حباته وتُملّح؛ لإضفاء لذة في أكله، والإقبال عليه كثير، وتفننت مطابخ الأروبيين في تشكيله بعَقْده بالسكر المذاب في الماء المغلي؛ يُعرف في المغرب العربي باسم البيستاش (Pistachio)، واسمه العلمي (Pistaciaavera)، ويتراوح طول شجرة البطم ما بين أربعة أمتار إلى ثمانية، أما المعنى اللغوي لكلمة بُطم فلم أعثر على ما يفيد القارئ في هذا الباب، وإذا لذنا بالمعاجم العربية فلا نجد غير أنها كلمة تعني هذه الشجرة التي تحدثنا عنها، ولا ندري أ هي كلمة عربية أم تخلفت عن لغات الشرق القديمة التي كانت سائدة بمنطقة الشام أو بغيرها من المناطق المجاورة، ودون الباحثين هذا الموضوع، فقد يُغني أحدهم معرفتنا بالاشتقاقات وبالأصول اللغوية لهذه الكلمة.

    

 

 

بقلم الكاتب


تابع دراسته الابتدائية والثانوية والجامعية بمدينة الرباط (المغرب)، حصل على شهادتين جامعيتين، الأولى في الجغرافية (1990م)، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، ببحث في المناخ، والثانية في التاريخ (2016م)، من نفس الكلية، ببحث في التاريخ الحديث، عنوانه: الجنوب المغربي، دراسة في الوضعية الجغرافية والاقتصادية والسياسية (1830-1912)، يكتب في المقالة، في مواضيع ثقافية متنوعة، وفي القصة القصيرة، وفي الرواية، أصدر مجموعتين قصصيتين، وكتاب في سيرة مهنية، ورواية، وقصة للناشئة.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

تابع دراسته الابتدائية والثانوية والجامعية بمدينة الرباط (المغرب)، حصل على شهادتين جامعيتين، الأولى في الجغرافية (1990م)، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس، ببحث في المناخ، والثانية في التاريخ (2016م)، من نفس الكلية، ببحث في التاريخ الحديث، عنوانه: الجنوب المغربي، دراسة في الوضعية الجغرافية والاقتصادية والسياسية (1830-1912)، يكتب في المقالة، في مواضيع ثقافية متنوعة، وفي القصة القصيرة، وفي الرواية، أصدر مجموعتين قصصيتين، وكتاب في سيرة مهنية، ورواية، وقصة للناشئة.