أولاً: أثر حرب البلوبونيز على العلاقات الاقتصادية في بلاد الإغريق.
أن الزراعة في بلاد اليونان كانت تقتصر على بعض المناطق الصالحة للزراعة في السهول المحصورة بين الجبال مثل أسبرطة وتساليا وجزء من أركاديا أو تلك التي تنحدر إلى البحر مثل أرجوس وأثينا وأليوسيس رغم أن تربتها فقيرة وانتاجها لا يكفي حاجات البلاد وهو ما ساعد على نمو التجارة الخارجية ، ويعد القمح والكروم وزيت الزيتون من أفضل أنواع المحاصيل التي تحتاجها بلاد الإغريق وربما كان فقدان شجرة زيتون –لانها تستغرق عشرين عاماً لتؤتي ثمارها- يُعد خسارة كبيرة مثل الخسارة التي مُنيت بها أثينا أثناء حرب البلوبونيز أكبر دليل على ذلك ([1]).
ويشار إلى أن التجارة الخارجية قد ازدهرت في زمن بركليس الذي قال أن كل منتجات العالم تجد طريقها إلى أثينا وكانت أتيكا تصدر ما تنتجه حقولها ومصانعها من خمور وزيوت وفضة ورخام وخزف وتحف فنية وتسورد الحبوب والسمك والجلد من منطقة البحر الأسود، والصوف والبردي من مصر، والحديد والنحاس من أيورويا والصوف والكتان من فينيقية والأقمشة المطرزة من بلاد الشرق الأدنى والبرونز من أتروريا والعطور من بلاد العرب([2]).
كما ويُقدر حجم التجارة من صادرات وواردت المدن التابعة والحليفة لأثينا في عام واحد وهو عام 413ق.م -عندما فرضت أثينا ضريبة الخمسة في المائة على صادرات وواردات مدنها- بما يتراوح بين 30.000إلى 32.000تالنت، إذ أن حصيلة الضريبة بلغت 1500-1600تالنت دخلت خزينة الدولة([3]).
قبل قيام حروب البلوبونيز حدثت قلاقل وأحداث كان أساسها التنافس التجاري الذي وصل إلى درجة كبيرة من الاحتداد بين أثينا وبعض المدن اليونانية مثل (ميجارا و كورنثه و سيكيون) شمالي شبه جزيرة البلوبونيز والتي كانت تعتمد في نشاطها التجاري على المياه الغربية التي تقع غرب بلاد اليونان من جهة وبين إيطاليا وجزيرة صقلية من جهة أخرى([4]).
لقد سعت أثينا إلى التوسع تجارياً وصناعياً وهو ماجعلها في حاجة إلى أسواق جديدة لطرح بضائعها ووصل نشاطها التجاري إلى حد كبير إلى درجة أنها أصبحت تهدد مصالح المدن اليونانية سالفة الذكر، وهنا أصبحت أسبرطة تتوجس خوفاً أن تتوسع أثينا رغم أنها ليس لديها مصالح تجارية في الغرب، ومن كوركيرا التي كانت تابعة لكورنثه جاءت بداية الشرارة حيث تحالفت كوركيرا مع أثينا وهذا من شأنه ضرب اقتصاد كورنثه في المنطقة الغربية وقطع الحياة عليها([5]).
وربما كان قيام أثينا بإصدار قرار يقضي بإغلاق كل الموانئ الأثينية وأسواق أتيكا في وجه السفن والبضائع الميجارية له من الخطورة بمكان ويُعد بمثابة الحكم بالإعدام على ميجارا التي كان اقتصادها يعتمد على التجارة بشكل أساسي، وردت على ذلك اسبرطة وحلفاؤها بغزو أتيكا ونهبوا ودمروا المحاصيل الزراعية التي كانت تعتمد عليها أثينا ([6]).
رغم محاولة حلف البلوبونيز خنق اقتصاد أثينا إلا أن الطرق التجارية ظلت مفتوحة أمام أثينا ومن بينها الطريق الذي يصل إلى مداخل البحر الأسود والذي كان يُمد أثينا باحتياجاتها من الحبوب، وقد عملت أثينا على سد الطرق التجارية وتضييق الخناق على مدن البلوبونيز بالسيطرة على الساحل الغربي ومناطق شمالي وجنوبي مدخل خليج كورنثه إلا أنها لم تنجح في ذلك واستطاعت فقط الاستيلاء على بيلوس وجزيرة كيثره في الجنوب وظلت المدن تتزود بما تحتاجه من حبوب ومعادن وغيرها، كما أن محاولة أثينا السيطرة على سيراكوزا في صقلية الذي من شأنها خنق اقتصاد المدن البلوبونيزية باءت بالفشل([7]).
يشار إلى أن مستويات الدخل قلت وزادت النفقات واختل نظام المدفوعات وكان التجار هم من يدفع بعجلة الحرب لاستفادتهم منها فهم يسيرون في أذيال الجيوش ليسوقوا بضائعهم وبذلك شجع التجار على إيقادها، ومن جهة أخرى هجر المزارعون الاراضي واصبحوا يستفيدون من الغلال المستوردة([8]).
كذلك فقد أدت حروب البلوبونيز إلى خسائر باهظة في الأموال العامة في بلاد اليونان فمن خلال بيان تكاليف الثمانية أعوام الأولى من سنة 433-426م يتبن أن بنود الصرف الرئيسية شملت ما يقرب من خمسة آلاف تالنت بالإضافة إلى مصاريف بناء السفن([9]).
عند فشل الكيباديس في حملته إلى صقلية لمحاصرة سيراكوزا هروبه إلى أسبرطة نصح الاسبرطيون بالإسراع في احتلال دكيليا والتي تُعد منطقة مهمة بالنسبة لأثينا حيث هرب العبيد الذين كانوا يعملون في مناجم دكيليا وانضموا إما للجيوش الاسبرطية أو الأثينية وبذلك تعرض اقتصاد أثينا لأضرار كبيرة حيث فقدت أثينا مساعدات مدن حلف ديلوس وكذلك منطقة دكيليا الغنية بالمناجم، ضف إلى ذلك تناقص عدد العاملين الذي من شأنه نقص الإنتاج الاقتصادي([10]).
ويتبين من خلال تتبع حرب البوبونيز الركود والخمول والفشل الذي أصاب الطرفين المتنازعين في حرب البلوبونيز خلال مراحلها الثلاث والتي كان آخرها محاولة القائد الاسبرطي ليساندروس* والتي فشلت في الاستيلاء على مداخل البحر الأسود والذي كان يزود أثينا بما تحتاجه من قمح([11]).
ثانياً: أثر حرب البلوبونيز على العلاقات الاجتماعية في بلاد الإغريق.
وقد أثرت حروب البلوبونيز على الأوضاع الاجتماعية فقد مرت عدة حوادث منذ اندلاعها، فكان من الطبيعي وقوع أزمة اجتماعية نتيجة لحروب البلوبونيز التي لها اليد الأولى فيها فقد انضم عدد لا يقل عن عشرة آلاف من الجند وانضموا إلى الجيش الفارسي ولعل السبب وراء هذا أنهم من المعوزين للعمل كمرتزقة([12]).
بعد تمرد مدينة موتيليني دعا كليون إلى قتل كل من يستطيع حمل السلاح وبيع الأطفال والنساء في سوق النخاسة وأصدر حكم بالإعدام للقائمين على هذا التمرد وأمر بهدم التحصينات ومصادرة الأراضي وتقسيمها إلى ثلاثمائة جزء وتوزيعها على مستوطنين جاءوا من أثينا([13]).
ومنذ العام الأول من الحرب باتت تأثيرات الحرب واضحة على الصعيد الاجتماعي، حيث تدهورت الروابط الاجتماعية وتفككت الأسر حيث يصور أرسطو فانيس ما خلفته الحرب من تفكك للأسرة إذ تركت الأسرة حطاماً ونتيجة للنقص في عدد الرجال وازداد عدد النساء فانتشر الانحلال الأخلاقي الذي يُعد شبيها للانحلال الذي فرضته روما أثناء حربها مع هانيبال([14]).
في العام الثاني من الحرب هاجمت قوات البلوبونيز أثينا فتحصن أهلها وانتشر بينهم وباء الطاعون ويصور ثوكوديسيس أنهم كانوا يلقون بانفسهم في الآبار أو مستودعات المياه لتبريد أجسامهم من شدة الحرارة وهو ما ساعد على انتشار الوباء بسرعة. حيث أتي الوباء على ثلث سكان أتيكا وفي عام 439ق.م سقط بيركليس ضحية لهذا الوباء([15])
بعد حرب حدد بمقتضى الدستور عدد المواطنين في أثينا الذين يمنحون حقوق المواطنة في أثينا بحوالي 5000مواطن في الأكليزيا([16]).
[1] حسين الشيخ، تاريخ الإغريق، دار الكتب الجامعية، الإسكندرية، ص20-21.
[2] نفسه ص22.
[3] نفسه.
[4] لطفي عبد الوهاب يحيى ، تاريخ اليونان والرومان، موضوعات مختارة، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية، 2008م، ص122.
[5] نفسه ، ص123.
[6] حسين الشيخ، المرجع السابق، ص56.
[7] لطفي عبد الوهاب يحيى ،المرجع السابق، ص124.
[8] السيد أحمد علي الناصري، الإغريق تاريخهم وحضارتهم، دار النهضة العربية، القاهرة، 1976، ص333.
[9] حسين الشيخ، المرجع السابق، ص56.
[10] سعد عبود سمار، حيدر عبد الرضى كاظم، "موقف الدولة الأخمينية من الحروب البيلوبونيزية"، مجلة كلية التربية بجامعة واسط، العدد الثاني والثلاثون، آب 2018، ص 329.
* قائد وسياسي أسبرطي، برز في الجزء الأخير من حرب البلوبونيز، وعين قائداً لأسطول أسبرطة على الساحل الغربي لآسيا الصغرى، يُنظر :أورسيوس، تاريخ العالم ، ترجمة : عبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 1982، ص 196.
[11] لطفي عبد الوهاب يحيى ،المرجع السابق، ص125.
[12] محمود فهمي، تاريخ اليونان، مكتبة ومطبعة الغد، القاهرة . 1999، ص126.
[13] سيد أحمد علي الناصري، المرجع السابق ، ص 433
[14] نفسه ، ص327.
[15] السيد أحمد الناصري، المرجع السابق ، ص 331.
[16] فوزي مكاوي، تاريخ العالم الإغريقي وحضاراته ، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، 1980، ص 25.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.