أثر جسامة الخطأ في تقدير التعويض على المسؤولية التقصيرية

إنّ الأصل في المسؤوليّة المدنيّة التّقصيريّة هو التّعويض عن الضّرر المباشر المتوقّع أو غير المتوقّع، ويقدّر التّعويض عامّة بالنّظر إلى قيمة الضّرر، فأيّ قدر من الخطأ يوجب التّعويض الكامل للمتضرّر سواءً كان الخطأ عمداً أم غير عمدٍ، وسواء كان يسيراً أم جسيماً إلّا في الحالات الخاصّة المقرّرة قانوناً أو اتّفاقاً. 

اقرأ أيضاً معيار درجة جسامة الخطأ لتحديد الخطأ الجسيم

التعويض الكامل للمتضرر

وبناءً على ذلك فالأصل أنّ التّعويض لا يكون إلّا بقدر الضّرر، وأنّه لا يعتدّ بجسامة الخطأ في تقديره في نطاق المسؤوليّة المدنيّة التّقصيريّة.

فإذا أثبت المتضرّر المسؤوليّة وتحققّت علاقة السّببيّة بين ما وقع من ضرر مباشر وما حدث من خطأ قُدّر التّعويض بقدر جسامة الضّرر لا بقدر جسامة الخطأ؛ لأنّه مهما كان الخطأ جسيماً فإنّ التّعويض في نطاق المسؤوليّة المدنيّة التّقصيريّة لا يزيد عن الضّرر المباشر المتوقّع وغير المتوقّع.

اقرأ أيضاً عيوب معيار درجة جسامة الخطأ في تحديد الخطأ الجسيم

التعويض المترتب على المسؤولية 

وذلك هو الأصل المقرّر في تقدير التّعويض المترتّب على المسؤوليّة التّقصيريّة، إلّا أنّه قد أورد عليه القضاء والتّشريعات الحديثة استثناءات من خلالها يعتدّ بجسامة الخطأ في تقدير التّعويض المترتّب على المسؤوليّة التّقصيريّة.

وذلك في حالات محدّدة منها حالة تعدّد المسؤولين عن الفعل الضّارّ، وحالة الخطأ المشترك، وقد نصّ المقنّن اليمنيّ في القانون المدنيّ المادة (310) على أنّه: "إذا تعدّد المسؤولون عن عمل ضارّ تكون المسؤوليّة بينهم بالتّساوي إلّا إذا عيّن القاضي نصيب كلّ منهم في التّعويض حسب تأثير عمل كلّ واحد منهم".

وهذا لا يخرج عن مضمون ما قرّرته المادة (169) من القانون المدنيّ المصريّ الّتي نصّت على أنّه: "إذا تعدّد المسؤولون عن عمل ضارّ كانوا متضامنين في التزاماتهم بتعويض الضّرر، وتكون المسؤوليّة فيما بينهم بالتّساوي إلّا إذا عيّن القاضي نصيب كلّ منهم في التّعويض".

اقرأ أيضاً ماهية الخطأ المهني الجسيم؟

التعويض القضائي

ففي حالة تعدّد المسؤولين أو اشتراك المتضرّر في إحداث الضّرر فإنّ القانون يخوّل القاضي سلطة تحديد نصيب كلّ مساهم، وله أن يراعي في ذلك جسامة الخطأ الّذي وقع من كلّ منهم، فإذا لم يستطع القيام بذلك وزّعت المسؤوليّة بينهم بالتّساوي.

فالمتبيّن ممّا سبق ذكره أنّ التّقنينات السّابقة قد رخّصت للقاضي تقسيم التّعويض بين المسؤولين بغير تساوٍ بينهم عند معرفته مدى مساهمة كلّ منهم في إحداث الضّرر بخطئه، وعلى هذا فالأصل المتعيّن على القاضي تقسيم التّعويض بينهم في هذه الحالة على أساس مدى جسامة خطأ كلّ منهم.

وإلّا كان القاضي مهدراً للحكمة من تشريع هذه الرّخصة، فيحكم القاضي بالتّساوي في المسؤوليّة على الفاعلين إلّا عندما يتعذّر عليه تحديد درجة خطأ كلّ منهم، وهذا المعتمد في القضاء المصريّ.  

الأضرار المتوقعة والغير متوقعة

وفي الختام نودّ أن نشير إلى أنّ الأصل في المسؤوليّة التّقصيريّة عدم الاعتداد بجسامة الخطأ في تقدير التّعويض القضائيّ.

فالخطأ سواء كان عمداً أم غير عمد جسيماً أم يسيراً يوجب التّعويض للمتضرّر بقدر الضّرر عن كلّ الأضرار المتوقّعة وغير المتوقّعة عدا ما نصّ عليه القانون صراحةً في ذلك.

كما سبق أن بيّنّا آنفاً في حالة تعدّد المسؤولين عن العمل الضّارّ والخطأ المشترك، فعندها يكون التّعويض المستحقّ مُقدّراً بقدر جسامة الخطأ الصّادر عن المسؤول إذا استطاع القاضي أن يتبيّن نصيب كلّ مشارك في إحداث الضّرّ، أمّا إذا لم يستطع ذلك فالقاعدة أن يحكم القاضي بالتّساوي على المسؤولين بالتّعويض.  

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة