أثر الفلوس في النفوس.. كيف يؤثر المال على نفوس البشر؟

كثيرًا ما يكون تقارب الألفاظ دليلًا على تقارب المعاني، فللجوار عظيم الآثار، فيأخذ الجار من صفات جاره، ومن ذلك الفلوس والنفوس، فالعلاقة بينهما وثيقة، والرابطة بينهما عميقة.

بينهما زواج لا خلع فيه ولا طلاق، علاقة غائرة في الزمان، منذ أن علم قيمتها الإنسان، وخبر أثرها مع تعاقب الزمان، وأدرك عظمتها في مختلف الأحوال والمكان.

اقرأ أيضًا كيف تصبح غنيا؟

الفلوس وحقيقة النفوس

لقد ترك اختراع الفلوس أثرًا عميقًا في حياة البشرية، فسهل البيع والشراء والإجارة والوفاء والعطاء، فجعل البيع حاضرًا، والشراء سريعًا، والقرار حثيثًا، يوم أصبحت الفلوس هي الأصل في تعاملنا بعد أن ذهب زمان الذهب والفضة، فأصبح تعاملنا بالأوراق، لا فرق بينها وغيرها سوى ضمان البنك المركزي لها.

فالفلوس تبرز حقيقة النفوس حقًّا، تجد الرجل صائمًا قائمًا ذاكرًا، منطقه جميل ومنظره عليل وتصرفه جليل، وتبقى تلك المظاهر عناوين لذلك الرجل، فلا تعرف صدقه من كذبه، ولا تدرك جوهره من مظهره، إلا إذا عاملته بالدرهم والدينار وبلوته بالجنيه والدولار، حينها يتضح لك من بكى ممن تباكى.

 وللفلوس أثر عميق في تذليل العقبات، وتغطية العيوب وتيسير الحياة، وإدراك الراحة والسعادة، ودفع المكدرات، وحفظ الكرامة وعافية البدن وراحة الفكر وعزة النفس، والنجاة من أذى بعض البشر، فتوجد عداوات تدفع بالفلوس، وتجلب بها أيضًا المودات، وهل تميل القلوب بمثل المال، وهل تُساس النفوس بمثل الفلوس؟

وللفلوس أثر في تذليل النفوس وتليينها وتحسينها، فالفلوس مثلما يقول المثل: "تصنع طريقًا في البحر"، هل تعجز عن فتح طرق وإنشاء سكك للمودة في القلوب؟ فهي تلين القلوب وتزيد في المودة إن صبها المرء على من حوله صبًّا، أما إذا بالغ المرء في الشح وتمادى في البخل، فسينشئ العداوات، ويزيد الحسد في النفوس، ويهيئ الأسباب للحقد.

اقرأ أيضًا هل الأموال تشتري سعادة الإنسان؟

إصلاح الأخلاق بالفلوس

وللفلوس أثر في إصلاح عوج الأخلاق التي في النفوس، ألا ترى الشجاعة التي تملأ قلوب الأغنياء، بتتابع الفلوس لديهم؟

ألا ترى الثقة التي تعتري الأثرياء بازدياد الأرصدة وتضخمها، وقبل ذلك كانت المسكنة تمنعهم من الخوض في ما لا يدرون؟

فلما فاضت الفلوس أصبحوا يتكلمون في الأمور التي لم يحيطوا بها كثيرًا، تسمع لحديثهم كأنك تسمع الخبير العليم ببواطن الأمور الذي تخصص فيها منذ صغره، ليس هذا فقط، بل تجده الحديث المقنع المبني على الحجج والبراهين، ولو كان في حقيقته عاريًا من الصواب:

وتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير

قليل ذنبه والذنب جمٌّ ... ولكن للغنى ربٌّ غفور

وللفلوس أثر عظيم في سعادة النفوس، إذا ذُكرت السعادة عند كثير ذكرت الفلوس، وإذا ذُكر عندهم الشقاء ذكر فقر النفوس من الفلوس، فكم تدخل الفلوس على النفوس من السرور، وهل نفسك يوم قبض الراتب كغيره من الأيام؟

وهل يضيء وجهك بالبشر والسرور والفرح والحبور مثل حالك وأنت تحصي نقودك؟

وهل يضيء هاتفك إضاءة شديدة مثل ما يضيء عندما تأتي التحويلات المصرفية على تطبيق البنك؟

 انظر لسرور زوجتك بمصروفها الشهري الخاص بها.. لا تقل عنها زوجة مادية، فأنت تفرح مثلها.. لا تقل على أولادك إنهم أولاد ماديون لفرحهم بفلوس العيدية، فلقد كنت صغيرًا مثلهم تفرح كفرحهم.

 فإن أنكرتم مقالتي فانظروا هل يحلو العيد من غير العيدية النقدية للصغار؟ وهل يضيء الشهر في آخره إلا بقبض الراتب؟ وأيهما أعظم عند الموظفين الحوافز المعنوية أم المادية؟ وهل تعظم الجوائز إلا برصيدها المادي الذي تضيفه لحساب صاحبها المصرفي؟

اقرأ أيضًا الأسرار العشرة لصناعة الثروة

الفلوس قادرة على شراء النفوس

وللفلوس أثر في تسهيل شراء كل ما يريد المرء حتى ولو كانت تلك السلع بعض النفوس، فتُشترى كما تُشترى الأشياء، يظل يساوم في ثمنه الذي يبيع نفسه، فإذا وصل البائع للملايين رأيته يلهث عطشًا كالكلب.

ويا ليته يبيع نفسه فقط، بل قد يبيع بناته من أجل الزواج بأحد الأثرياء الذي لا يكافئها في خلق ولا دين ولا تعليم، ولكن جيوبه مملوءة بالفلوس فيشتري بها بعض النفوس.

حديث من حلاوته وعذوبته كأنه السحر المستمر، ولكنها الحقيقة بوضوح، والصدق من غير غموض، فحب الفلوس أسر النفوس، وفي طلبها استعذب المرء عذاب الغربة ومرارة السفر من أجل جمعها وعدها والاستكثار منها، لتكون ذخرًا له في الأزمات والملمات.

وللفلوس أثر في كثير من النفوس، إذ قد تغير للأسوأ من الطباع، فحبها الشديد يربي النفس على البخل والشح، وعشقها الشديد قد يدعو لاكتسابها بالوسائل المشبوهة والمحرمة شرعًا.

والتعلق العظيم بها قد يجعل المرء يضر بحياته الاجتماعية، فينفر منه الأقارب وتصد عنه زوجته وأولاده لبخله وحرص على العمل.

مع هذا العشق العظيم للفلوس الذي ملأ قلوب كثير من النفوس، ومع عظمة الفلوس وأثرها الكبير، لكنها لم تستطع إسعاد كثير من النفوس، بل كانت سببًا لشقائهم وشقاء أسرهم، عندما جعلوا الفلوس غاية وليست وسيلة، جعلوها سيدًا بدلًا من أن تكون خادمًا، شغلتهم عن كثير من لذائذ الحياة، كاللقاء الأسري ولقاء الأصدقاء وبذل المعروف والهوايات النافعة.

اقرأ أيضًا الثروة ليست مالًا فقط.. حلم الثراء الحقيقي

الفلوس وسيلة لا غاية

لا تحسبوا كلامي كلام محب للفلوس، بل هو عاشق لها، يسعى لها، يفرح بزيادتها ويحزن لنقصها، يدبر لتوفيرها ويدخر لزيادتها.

وإن كنتم تنكرون أن في نفوسكم هذا الحب لفلوسكم، فتبرعوا بمعشار ما عندكم من الفلوس للفقراء والمساكين لتظهروا مدى صدقكم.

لا تحسبوا حديثي مبالغًا لما مدحت الفلوس وأثنيت، فيوجد كثير وكثير من الحب لها في النفوس، وتلك الحقيقة التي قد يخجل منها بعض الأشخاص، ولن تضرنا تلك الحقيقة ما دام أن الفلوس في اليد وليست في القلب، لا تؤثر في قرارتنا التي نتخذها في حياتنا، فنقدم مصلحة الدين والأسرة وراحتنا على مزيد من الفلوس.

لن يضرنا هذا الحب ما دام أننا نجمع لراحتنا وراحة أهلنا وذوينا ولا تشغلنا عن واجباتنا، ونتخذ الفلوس وسيلة لا غاية، نبني بها قصورًا لسعادتنا.

ولا نبني بها فقط خزائن لها، يزداد جودنا بزيادتها، ويكثر خيرنا بكثرتها، ونعترف بفضل الله علينها بها ونشكره عليها ونستثمرها في سبل رضاه.

وفي نهاية مقالي أخرجت محفظتي لأنظر لما فيها من فلوس، فلا نزال في العاشر من الشهر، فكم تطمئن النفوس بالفلوس.

يا ليتها تحسن صحبتها حتى لا تقودها للإفلاس من بعض القيم والمعاني العظيمة التي تحلو بها الحياة، وترقى بها النفوس لتكون قائدة للفلوس وليست خادمة لها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب