(أتني) ساحة وسوق ومقهى ثقافي في قلب الخرطوم


تبدلت الخرطوم التي كنا نعرفها وتغيرت ملامحها واختفت خلف ضجيج الإهمال وأهواء السياسيين، بل إن السودان نفسه تبدل واختلف وتغير وجهه الجميل، وأصبح شيئا آخر غير السودان الذي نعرفه.

وفقاً لهذا الاختلاف الذي أصاب بنية الدولة السودانية بالخلل في كافة جوانبها، تغيرت كذلك (أتني) واختلفت لياليها وأيامها، بل إن التغيير والتبديل طال حتى مرتاديها وروادها.

فلم تعد ساحة (أتني) ذلك الصرح الفني والثقافي والسياسي الذي كانت له إسهامات كبيرة في تطور حركة النهضة الثقافية في السودان.

لقد اندثرت (أتني) مثلما اندثرت الأشياء الجميلة في الخرطوم، ولم يتبق منها غير اسمها وشهرتها، وحل مكانها الخراب وحلق فوقها "طائر الشؤم".

(أتني) سبب التسمية وتاريخ التأسيس

في الأصل اسمها (أثني)، لكنها تنطق بالعامية السودانية (أتني)، وهي عبارة عن مقهى أو سوق أو ساحة أو معرضاً مفتوحاً لبيع وتبادل الكتب النادرة، كان يُقام يوم الثلاثاء من كل شهر تحت مسمى (مفروش)، وحالياً أشهر مكان في العاصمة الخرطوم لبيع التحف والأنتيك والفلكور الشعبي السوداني.

عرفت مدينة الخرطوم كغيرها من العواصم العربية المقاهي الشعبية، والمقاهي الثقافية منذ سنة 1899م، أي في عهد الحكم الثنائي الإنجليزي المصري للسودان.

ساعد في انتشار المقاهي في تلك الفترة دخول الأجانب من يونانيين وقبارصة وشوام وهنود وإغريق ومصريين إلى السودان.

من أشهر تلك المقاهي على الإطلاق (أتني) و(الزئبق) في الخرطوم، وقهوة (يوسف الفكي) في أم درمان.

مقهى (أتني) سبب التسمية

يُعد مقهى (أتني) من أقدم مقاهي الخرطوم قبل أن يتحول إلى كافتريا لتقديم الوجبات السريعة والمشروبات الباردة والساخنة، فقد تخلى (أتني) عن طابعه الأرستقراطي، وعن طريقته الخاصة لخدمة زبائنه من أهل الفن والسياسة والتجار والطلبة وصغار الموظفين.

بحسب المعلومات التاريخية المتوفرة أن اسم (أتني) أو (اتينيه) معناه باليونانية (أثينا) عاصمة اليونان، وهنالك رواية تقول إن اسم (أتني) يعود لمقهى إغريقي قديم، كانت تملكه سيدة يونانية تعيش في الخرطوم تُدعى (أتني).

مقهى (أتني) تاريخ التأسيس

في شهر مارس من سنة 1958م افتتح الخواجه الإغريقي (جورج فالفس) مقهى (أتني) في إحدى زوايا عمارة (أبو العلا) الجديدة، واختار لإدارته ثلاث فتيات إغريقيات غاية في اللطافة والجمال والبهاء والظرف والذوق.

كان الخواجه (فالفس) في تلك الفترة رئيس الجالية اليونانية بالسودان، وأحد أكبر تجار "الطواحين" في الخرطوم.

بمرور الوقت أصبح مقهى (أتني) أكبر وأرقى مكان لتجمعات السودانيين في الخرطوم خاصة خلال فترة الستينات والسبعينات، فقد كان مكتظاً بالزبائن الذين ينتشرون على طول ساحتيه الشرقية والشمالية يطلبون الشاي والقهوة وبعض المرطبات.

كانت تحيط بمقهى (أتني) أشهر سفارات العالم مثل السفارتين "الأمريكية" و"السويسرية"، وكبرى الشركات مثل "شركة شل"، والكثير من خطوط الطيران كالطيران الإثيوبي والمصري واللبناني في تلك الفترة من تاريخ الخرطوم.

بعد 10سنوات أي في العام 1969م آلت ملكية (أتني) للتاجر محمد سلميان وشقيقه قسم السيد، فاستمر المقهى يقدم خدماته لكن على استحياء، فسرعان ما اكتفى بوجود الزبائن داخله فقط بعد أن كانوا ينتشرون بطول ساحته الخارجية، ثم قام الملاك الجدد بشطر مساحة المقهى إلى قسمين: قسم تم تخصيصه للوجبات السريعة، وقسم للمصنوعات الجلدية.

في أواخر سنة 1976م انتقلت ملكية المقهى للسيد عبد الماجد عثمان الجابري، ومن الأمانة أن أذكر هنا أن من ضمن ملاك مقهى (أتني) السيد (فكتور عبد المسيح)، ولكني لم أقف على وجه الدقة متى وكيف آلت إليه ملكية (أتني).

موقع مقهى (أتني)

يقع مقهى أتني غير بعيد من القصر الرئاسي في الخرطوم، على تقاطع شارع الجمهورية مع شارع البرلمان، بالقرب من المحطة الوسطى التي كانت تقع في الجزء الغربي من شارع الجمهورية حيث كانت موقفا لحافلات النقل الداخلي، و(الترماي) أو (الترماج) كما كان يحلو للسودانيين لفظه.

هنالك تشابه كبيرٌ بين (أتني) والمحطة الوسطى، فهي مثله كانت تقدم لروادها الشاي والقهوة والزنجبيل والنعناع والحلبة واليانسون، بل كانت ملتقى الموظفين والطلبة والعمال.

(أتني) والسوق الإفرنجي

كانت ساحة مقهى (أتني) تضم سوقاٌ تمت تسميته بالسوق الإفرنجي؛ لأن معظم رواده في تلك الفترة من الأرمن والإغريق والطليان واليهود الذين غادروا السودان مرغمين بسبب سياسات التأميم المايوية.

بقلم الكاتب


مؤلف وكاتب صحفي سوداني


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

كلام جميل جدا اتني حره مهما يحصل

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مؤلف وكاتب صحفي سوداني