أتسألني تُحبُّني؟ وإن غبتَ لا تغيب

في عالمٍ يغلبُ عليه الغياب، وتتكاثر فيه المسافات، يظلّ الحب الصادق هو الحضور الأبدي، مهما غاب الجسد وتباعدت الدروب.
هذه القصيدة نبضٌ من قلبٍ لا يعرف النسيان، يهمس بما عجز اللسان عن قوله، ويرسم بالحرف صورة عشقٍ لا يبهت، وحنينٍ لا يشيخ.
هي ليست كلمات فحسب، بل مشاعر تقف بين الرجاء والصبر، بين طيف اللقاء ودمع الفراق، وبين حنين لا يذبل، ووعد لا يخون.

 

أتسألني تُحبُّني؟ وكيف لقلبي أن يُنْكِرَا؟

وأنتَ الهوى، وأنتَ في صدري الأناشيد والسُّرَا

 

تسيرُ خُطاك عنِّي، والخطى ما فارقتْ نظري

فكأنَّ البُعدَ، في عينيَّ، أقسى من لظى الشُّرَرَا

 

قصيرٌ بيننا المدى، ولكنَّهُ يؤلمُ المُقَلَا

كأنَّ فراقي لكَ عامٌ، وإن غِبْتَ عنِّي مَسَافِرَا

 

إذا همسَ النسيمُ باسمك، اضطربَ الهوى بصدري

وعدتُ أنادي صورتك في الليلِ، أن تعودَ مُسافِرَا

 

فلا تنظرْ لِقربِ البعدِ، إنَّ القلبَ لا يَحتَمِلْ

ولا تقُل إنِّي قريبٌ، ما دام الوصلُ قد هَجَرَا

 

أُحبُّك؟ نعمْ، ولكنْ حبٌّ يَحْني الجبالَ إذا انحَنَتْ

وما كلُّ من قال الهوى، ذاقَ الهوى أو سَطَرَا

 

رجعتَ، فعادَ كلُّ الحزنِ، يضحكُ مثلَ من انتصرَا

وعادتْ بسمتي عطرًا يُطوِّقُ مهجتي عبقًا وثرى

 

نسيتُ الوقتَ، والدنيا، وعُذرَ الغيبِ والمطَرَا

كأنَّك لم تغب يومًا، ولم تَسكنْ فُؤادي سَفَرَا

 

تلاقتْ عينُنا شوقًا، وفيها البحرُ مُنكسِرٌ

فذبتُ، كأنَّني حلمٌ على أهدابِك انحدَرَا

 

سأبقى رغمَ هذا البُعدِ، أنسُجُ حبَّنا قَمَرَا

وأجمعُ من حنينِ الروحِ، ألفَ قصيدةٍ وَطَرَا

 

فلا بُعدٌ يُغيِّرُني، ولا الأيامُ تُنكرُني

أنا من إنْ نَظرتَ لقلبِه، تلقى الوفا سَفَرَا

 

وإن طالَ الطريقُ بنا، فلي قلبٌ له عُذرُ

وفي عينيكَ لي وطنٌ، إذا الوقت قد غدَرَا

 

أحنُّ إليك في صمتي، وفي نُطقي وفي سَهَرَا

كأنَّك في دُموعي تسكنُ الأحلامَ والذِكَرَا

 

وكلُّ الناسِ حولي، لا يملؤونَ منكَ فَجْوَتِي

فأنتَ الدفءُ إن عَبَرتْ على أبوابي العَصَرَا

 

أراكَ بوجهِ مَن ألقاهُ، إن غابَ المدى عنِّي

فكلُّ الراحلينَ يجيئونَ إليَّ بكَ الصُّوَرَا

 

تركتَ الدنيا في قلبي، وأبقيتَ الحنينَ بها

كأنِّي دونَ حبِّك لا أرى إلا الأسى أثَرَا

 

لقانا كانَ كالطيفِ الذي يمضي ولا يَثبُتْ

ولكنّهُ يُحيي الفؤادَ، إذا مضى، أثَرَا

 

نلتقي… لكنْ، كأحلامٍ تُلامسُ طرفَ أعينِنا

ونفترقُ… ونحملُ في الجفونِ الشوقَ مُنحَسرَا

 

فما أجملْ لُقانا حينَ يأتي مثلَ موجِ الصبحِ

يزيحُ الهمَّ عن قلبي، ويتركُ وردَهُ نَضِرَا

 

وما أقسى الوداعَ، وإنْ تبسَّمنا لهُ كذبًا

يخبِّئُ في العيونِ دموعَنا، ويعودُ منحدِرَا

 

أخبِّئ وجْدَك العذبَ الذي ما غابَ عن نَفسِي

وأرسمُ من خيالكَ دَربَ حلمٍ باتَ مُنحَصرَا

 

أُحدِّثُ طيفك الغافي على جدرانِ ذاكرَتي

كأنَّكَ لم تَغِب يومًا، وكأنَّ الوقتَ قد انحسرَا

 

إذا ناديتُ في صمتي، سمعتُ صداكَ في روحي

كأنَّكَ في شراييني، وكفُّكَ فوقَ مُنحَدرَا

 

يظنُّ الناسُ أنَّ البُعدَ شيءٌ قد يُطاقُ هنا

وما علموا بأنَّ البُعدَ يكتمُ فينا السُعُرَا

 

أُحبُّك… دونَ أن أُخفي، ودونَ قيودِ ذا سَتَرَا

ففي عينيكَ أعلنُني، وأكتبُ في الهوى سُطُرَا

 

أُحبُّك في تنفُّسي، وفي نبضي، وفي صمتي

كأنَّكَ في دمي تجري، وتسكنُ داخلي قَمَرَا

 

وإن مرَّ الزمانُ بنا، وغيَّرنا كما يشتهي

سيبقى حبُّك الأغلى، وإن طالَ المدى عُمُرَا

 

أُحبُّك حينَ تتركني، كأنَّك لم تزل عندي

وأشعر في غيابِكَ بي… كأني في الهوى أسْرَى

 

فإن تسأل: «تحبُّني؟» سأُقسم أنَّني لكَ ما

حييتُ، أذوبُ منكَ، وأرتوي عشقًا إذا حضَرَا

 

سيأتي يومُنا الآتي، وتُمحى الغُصَّةُ الكُبرى

وتجمعُنا الليالي دونَ خوفٍ أو هوى عَثَرَا

 

سنجلسُ دونَ أن نحسِبْ مسافاتٍ ولا زمنًا

ويصبحُ كلُّ ما عشناهُ ماضيًا قد غفا ودرَى

 

سأحكي لكَ عن الشوقِ الذي أخفيتُهُ دهرًا

وتُقسمُ لي بأنَّكَ قد شعرتَ بهِ، كما جَرَى

 

فنمضي لا وداعَ لنا، ولا شكوى، ولا بعدُ

ونبني من حنينِ البعدِ حبًّا ما لهُ آخِرَا

 

إذا ناديتُ في وجعي، أُناديكَ… وأنتَ المُنقذ

كأنَّكَ في دُعائي لي، وفي آياتِهِ الأَثَرَا

 

أراكَ إذا غضبتُ، فأنتَ صبري حينَ تَشتعِلُ

ملامحُ حزنيَ الأخرى، وتُرضيني إذا ازدهَرَا

 

وفي فرحي، تكونُ الضحكةَ البيضاءَ في شفتي

فمنكَ النورُ إن أُطفِئتْ نوافذُ دربِنا عَسَرَا

 

تكلِّمني عيونُكَ حينَ يصمتُ صوتُكَ المُتعب

فأفهم منكَ ما لم تُقلهُ، حبًّا، ولا حَذَرَا

 

أعدكَ ما حييتُ، بأنَّ حبِّي لا يغيِّرُهُ

زمانٌ، أو فُصولُ العمرِ، أو أمرٌ إذا انكسرَا

 

ستبقى في فؤادي نَبْضَتي، وحروفيَ الأولى

وإن جفَّتْ حروفي ذاتَ يومٍ، أو مضى العُمرَا

 

أنا لكَ ما تبقَّى الحلمُ في عيني، وما بقيَتْ

على جُدرانِ نبضي ذكرياتُكَ تُزهِرُ الثَمَرَا

 

أكتبُ لكَ من قلبي، حروفًا ما لها حدٌّ

فكيف لقلبي أن ينسى، وقد صار فيكَ أسيرَا؟

 

في بعدكَ تعلَّمتُ الصبر، كيف أرسمُ لكَ الأملَ

وأحتفظُ بدفءِ اللقاء، رغم غيابكَ المَسرَا

 

أراكَ في كلِّ نجمةٍ، وفي هديرِ البحرِ الرقيقِ

كأنكَ ظلِّي الدائم، الذي لا يُفارقُ الدربَا

 

حتى وإن فرقنا الزمانُ، ومزَّقَنا المدى بلا رحمةٍ

يبقى حبُّك في وجداني، يزدادُ كالنارِ قدَرا

 

 

وفي الختام، أقولُ لكَ: مهما طال الانتظارُ

يبقى حبُّنا في القلبِ كالنجمِ لا يَسْتَكْرَا

 

نصبرُ على فرقةِ الدُّروبِ، وعلى ليالي السُهادِ

ونُعيدُ بناءَ العهدِ في كلِّ صباحٍ يُزَهْرَا

 

فحُبُّنا ليسَ بُعدًا، بل هو قربٌ في الأرواحِ

وكلُّ مسافةٍ مهما صغرتْ، في القلبِ تكبُرَا

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

رائع كالعادة فى اختيارك للكلمات
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

الاروع وجودك أستاذتي كل الشكر والاحترام
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.