أختار حلمك بنفسك

تعد أفلام الخيال العلمى من أهم أنواع الأفلام فى السينما العالمية، و بالأخص فى السينما الأمريكية، يشاهدها الجمهور و يتفاعل معها بمفهوم أنها خيال علمى، لكن فيلماً واحداً خرج عن هذا النسق، و لم يعد المشاهد قادر على تحديد كيفية التعامل معه، هل كخيال علمى أم كفكرة علمية يمكن أن تتحقق خلال فترة ليست ببعيدة، لهذا كان الفيلم شديد الأثر فى نفسية كل من شاهده، و منهم من شاهده أكثر من مرة، و هناك من هو مثلى، أهتم أن يقرأ و يعرف، هل موضوع الفيلم قابل للتحقيق أم لا.

بالطبع الفيلم هو Inception  أو بداية، من تأليف و إخراج كريستوفر نولان، و بطولة ليوناردو دى كابريو و مجموعة من النجوم، أنتاج 2010. فكرة الفيلم الرئيسية هى صناعة الحلم، كيف تستطيع أن تخلق حلم كامل لشخص ما، للدرجة التى تجعله غير قادر على التفريق إن كان حلماً أو حقيقة. كما ناقش الفيلم فكرة أمكانية أن يتشارك شخصين أو أكثر فى نفس الحلم فى نفس التوقيت، حيث يصبح الحلم تجربة حياتية مشتركة.

الفيلم على مستوى الفكرة و الكتابة، و التقنيات فى التنفيذ و الجرافيكس، هو فيلم أكثر من رائع، أستطاع توصيل الفكرة المعقدة جداً بشكل واضح، و ربما كان من العوامل المساعدة على ذلك، أن المؤلف و كاتب السيناريو و المخرج شخص واحد، فكان بالطبع أقدر شخص على توصيل فكرته، لكن الفيلم ترك علامة أستفهام هامة لكل من شاهده وهى، هل الفيلم خيال مؤلف، أم فكرة لتقنيات جديدة يمكن من خلالها الوصول للتحكم فى أحلامنا؟

بحثت كثيراً عن أساس الفكرة، فوصلت لمصطلح هام جداً، موجود فى كل الأبحاث و المقالات التى تحدثت عن هذا الموضوع ، و هو مصطلح Lucid Dreams أو بالترجمة العربية -التى سأعتبرها غير دقيقة فى وصف الفكرة- و هى "أحلام واضحة". ترى ما هو تعريف الأحلام الواضحة كما هو موجود فى كل المواقع:

"الحلم الواضح هو الحلم الذى يعرف أثنائه الشخص أنه يحلم، و ربما أستطاع السيطرة على بعض تفاصيل الحلم، مثل الشخصيات، المناخ، و الشكل السردى للحلم".

تعبير الحلم الواضح هو تعبير يحمل المفهوم العلمى و الروحى فى نفس الوقت، و لنبدأ بالمفهوم العلمى بمقالة نشرتها صفحة علمية تحمل أسم Science Daily، تتحدث عن تجربة قام بها دكتور متخصص فى علم النفس فى جامعة أديلايد بأستراليا، عن أمكانية الوصول لمرحلة الLucid Dreams أو الأحلام الواضحة.

نتائج أبحاث دكتور دنهولم أسبى فى البداية أكدت أمكانية الوصول لمرحلة الأحلام الواضحة، و قسمت المشاركين فى التجارب لثلاث مجموعات، وبحثت في فاعلية ثلاث تقنيات مختلفة لإحداث عملية الحلم الواضح.

الأولى

و تدعى أختبار الواقع، و ذلك عن طريق التأكد من خلال البيئة التى تحيط بالشخص، إن كان فى حالة يقظة أو سبات.

الثانية

و تدعى الأستيقاظ للعودة للفراش، و هى مبنية على فكرة أن يستيقظ الشخص أثناء النوم، بعد 5 ساعات تقريباً من النوم و ذلك لفترة صغيرة جداً، ثم العودة مرة أخرى للنوم للدخول فى مرحلة من مراحل النوم أسمها REM أو فترة نوم حركة العين السريعة، و التى تمثل غالباً الفترة التى نحلم أثناءها.

 الثالثة

فهى تقنية طريفة جداً، و تسمى تحريض ذاكرى للأحلام الواضحة، و هى تتشابه مع التقنية الثانية فى جزئية الأستيقاظ بعد 5 ساعات من النوم، لكن فى تلك التقنية يقوم الشخص أثناء فترة الأستيقاظ الصغيرة، بأقناع نفسه بأنه يحلم، و هذا من خلال ترديد بعض العبارات مثل: "فى المرة القادمة التى سأحلم أثناءها، سأكون على يقين أنى أحلم"، و تبدأ فى تخيل نفسك أنك داخل حلم واضح.

و من خلال ال47 مشارك فى التجارب على التقنيات الثلاثة، نجح 17% فى الوصول لمرحلة الأحلام الواضحة خلال أسبوع، و كانت أعلى نتائج خاصة بالتقنية الثالثة، و حدثت للأشخاص الذين أستطاعوا النوم خلال 5 دقائق من إتباع التقنية، و وصلت النسبة ل 46% من أجمالى عدد من وصلوا لمرحلة الأحلام الواضحة، لهؤلاء الذين أتبعوا تلك التقنية.

التقنية الثالثة، و التى أعتبرناها أكثر التقنيات طرافة، لكن بالفعل كانت الأكثر فاعلية، لأنها تعمل على تنشيط الذاكرة المستقبلية، و هى عملية تذكير للنفس بعمل شئ فى المستقبل، مثلاً لو كنت مرتبط بميعاد، و داومت على تذكير نفسك به، من الطبيعى أن تتذكره بعد ذلك من تلقاء نفسك، أيضاً هناك أشخاص لا تحتاج لأى وسيلة تنبيه للأستيقاظ، هم فقط يقررون الأستيقاظ فى ساعة بعينها لأرتباطهم بميعاد هام، و بالفعل يتمكنون من الأستيقاظ فى الميعاد، دون أى وسيلة تنبيه، و لهذا نجد فى الطريقة الثالثة أن الشخص يقوم بعملية تنشيط ذاكرته المستقبلية، بتكرار جملة "فى المرة القادمة التى سأحلم أثناءها، سأكون على يقين أنى أحلم".

الأشخاص الذين قاموا بتلك التقنية ، كانوا أكثر قدرة على النوع الهادئ فى اليوم التالى، و هذا يؤكد أن تجربة الأحلام الواضحة لم يكن لها أى ضرر أو تأثير سلبى، على قدرة الشخص على النوم.

و في نهاية المقالة قال دكتور أسبى أن تلك النتائج تقربنا من تطوير تقنيات تحفيز أو أحداث الأحلام الواضحة عالية الفعالية، و التى يمكن أن يكون لها العديد من الفوائد مثل علاج الكوابيس، و تحسين المهارات و القدرات البدنية من خلال التدريب فى بيئة الأحلام الواضحة، مما يعنى أننا سنقوم بالتدريب أثناء أحلامنا.

نستكمل بمقالة أخرى من صفحة جريدة The Independent  البريطانية العريقة، التى بدأت المقالة بحديث عن فيلم Inception، تحولت بعده لحوار مع دكتورة ديردر باريت، الأستاذ بقسم علم النفس بكلية الطب جامعة هارفارد، التى بدأت حوارها بأن النوم من الممكن أن يكون وسيلة مساعدة لحل المشاكل، و أننا يمكننا أن ندير تفاصيل أحلامنا، كما تحدثت عن تقنية رابعة تدعى الحضانة، و هى تقنية بسيطة تعتمد على التفكير بتركيز فى الشئ الذى نرغب أن نحلم به قبل النوم مباشرة ، مع محاولة إستحضار صورة ذهنية فى عقولنا له، بمعنى محاولة تخيل الشئ الذى نريد أن نحلم به

و تكمل دكتور ديردر أننا يمكننا الأستعانة بشئ مادى -مثل صورة- للشئ الذى نرغب أن نحلم به. نقطة أخرى ركزت عليها دكتور ديردر و هى تجنب فكرة القيام السريع و القفز من السرير لحظة الأستيقاظ، لأنه ينسينا تقريباً نصف ما رأيناه فى الحلم، و تؤكد على محاولة تذكر كل تفاصيل الحلم لحظة الأستيقاظ، لتثبيت الحلم فى الذهن، قبل أن تبدأ مشتتات الحياة، و ننسى تماماً تفاصيل أحلامنا.

دكتور دريدر طلبت من طلابها فى الجامعة أن يخوضوا تجربة الحضانة لمدة أسبوع كوسيلة لحل مشاكلهم، و النتائج رقمياً كانت أكثر من مذهلة. نصف الطلبة حلموا بالمشكلة التى تشغلهم، و المفاجأة الأكبر كانت أن نصف هذا النصف -مما يعنى ربع الطلبة- وجد بالفعل حلاً للمشكلة من خلال أحلامه، و أكدت دكتور دريدر أن قوة الأحلام تأتى من مبدأ أننا من خلالها نفكر خارج الأطار النمطى التقليدى الذى نستخدمه دائماً، و أن الأحلام تكمل و تثرى كل ما ننجزه و نحن فى حالة اليقظة.

بالنسبة للمفهوم الروحى فى تجربة الأحلام الواضحة، فهو مفهوم بوذى قديم جداً، و كان خاص فى البداية بشكل من أشكال البوذية القديمة أسمها بوذية التبت،  و التبت هى منطقة بين الصين و الهند و نيبال، و تعتبر أعلى منطقة أرتفاعاً فى العالم لأن فيها جبال الهيمالايا و قمة أفرست.

بدايةً ففكرة الأحلام الواضحة فى البوذية ذات مفهوم بسيط و محدد جداً، و هو القدرة على أستبقاء العقل يقظاً أثناء النوم، و هذا يتأتى عن طريق بعض تمارين اليوجا  و التأمل، التى تستطيع أن تصل بنا للقدرة على التحكم فى كل عناصر الحلم. يعتقد البوذيون التبتيون أن العمل المٌنجز أثناء الحلم، يساعد في اكتساب المهارات لمواجهة التحديات التي تُعرض على الروح عند الموت.

و للوصول لأعلى مراحل الأحلام الواضحة، هناك تقنية هامة لدى البوذيين التبتيين، و هى محاولة رؤية كل شئ أثناء يومك كأنه حلم، و هذا عكس التجارب العلمية اللى سبق و تحدثنا عنها، كما يعتقد البوذييون التبتيون أن الذات تسافر أثناء الأحلام لأماكن، قد سبق و زارتها فى الحياة الفعلية، فتعيد أثناء الحلم تجارب مرت بها من قبل، و لهذا يجب التأمل فى كل التجارب الحياتية و الأحلام التى نمر بها، و خلال لحظات التأمل لابد من ثبات الجسم، لأن أي حركة ستؤدي حتميا لتعطيل الجسم النجمى.

تجربة الأحلام الواضحة عند البوذيون التبتيون لها أسم أخر و هو Dream Yoga أو يوجا الحلم، التى تُمارس من حوالى الألف سنة، و لها عدة مراحل، تؤدى فى النهاية للوصول لمرحلة الأسقاط النجمى، التى تمكن الروح من التحرك خارج أطار الجسد أثناء عملية النوم، و قد تسافر و قد تطير، و يمكنها التحور لأشكال و كيانات أخرى.

في النهاية فالحديث عن فكرة التحكم فى الأحلام، و أختيار حلمك قبل النوم، لم يعد مجرد خيال، بالعكس تماماً، فهى تجارب تُمارس فى البوذية منذ ألف سنة أو يزيد، و دُعمت حالياً بتجارب علمية أكدت نفس الفكرة، و أعتقد أن ما شاهدناه فى فيلم Inception لن يكون خيالاً علمياً فى غضون السنوات المقبلة، لكن دعونى أحلم معكم بالخطوة التالية، و هى هل سنتمكن من تصوير أحلامنا، هل يمكن تحويل أشارات المخ أثناء الحلم، لصورة أو فيديو مرئى نستطيع مشاهدته بعد ذلك؟ و لما لا؟

بقلم الكاتب


ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب