يُعد أبو كامل شجاع بن أسلم، الملقب بالحاسب المصري، من أبرز علماء الرياضيات في القرن الثالث الهجري، وقد طوّر أسس الجبر التي وضعها الخوارزمي وأضاف إليها أساليب جديدة في التعامل مع المعادلات والجذور.
امتد تأثيره إلى أوروبا في العصور الوسطى، حتى لُقّب بـ«أستاذ الجبر»، وتأثر بأعماله علماء كبار مثل فيبوناتشي، فيما صنّفه ابن خلدون ثاني أعظم علماء الرياضيات في الحضارة الإسلامية بعد الخوارزمي.
شهد القرن الثاني الهجري بداية النهضة العربية والإسلامية، وازدهار حركة الترجمة والاطلاع على معارف الشعوب الأخرى؛ وهو ما أدى إلى ازدهار كثير من العلوم، وعلى رأسها الرياضيات والفلك والطب والصيدلة، وبالتالي ظهرت كثير من الأسماء المهمة والمؤثرة في حقول عدة.
ومن بين الأسماء التي ظهرت في مجال الرياضيات كان اسم (أبو كامل شجاع بن أسلم) الملقب بـ(الحاسب المصري) الذي ربما لم يحظَ بشهرة عربية، بقدر ما حظي بشهرة في أوروبا في القرون الوسطى، وظهر له كثير من التلاميذ في بلدان مختلفة، وتُرجت أعماله إلى لغات أجنبية، وأطلق عليه الغرب (أستاذ الجبر).
في هذا المقال نصحبك في جولة سريعة في حياة أبي كامل شجاع بن أسلم؛ لنتعرف على أهم أعماله ومؤلفاته، وتأثيره في تطور علم الرياضيات وفروعه من خلال السطور التالية:
حياة أبي كامل الحاسب
عاش أبو كامل شجاع بن أسلم بن محمد بن شجاع -الملقب بالحاسب المصري- في مصر في القرن الثالث الهجري، الموافق القرنين التاسع والعاشر الميلادي.
في بداية حياته، اتجه إلى تحصيل العلوم الشرعية كحال معظم الطلاب في ذلك العصر، ثم اتجه أبو كامل الحاسب إلى الهندسة والجبر وتخصص فيهما حتى ذاع صيته في العصرين الطولوني والإخشيدي.
نال أبو كامل شجاع بن أسلم شهرة كبيرة، جعلت الناس يطلقون عليه اسم الحاسب المصري، وكان مقربًا من أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية في مصر، وعمل له مستشارًا في الأمور العلمية والعسكرية.
تخرج على يده كثير من التلاميذ في الجبر والهندسة والفلك، وذكرته كثير من المراجع العربية، ومنها (الفهرست) لابن النديم، و(لسان الميزان) لابن حجر، وجاءت عنه بعض المعلومات في كتاب (إخبار العلماء بأخبار الحكماء).

جهود أبي كامل الحاسب
نظرًا لأن المصادر العربية لم تذكر كثيرًا عن حياة أبي كامل الحاسب، فلم تنل سيرته كثيرًا من البحث والدراسة في الفترات التالية، إلا إنه عُرف بجهوده الكبيرة في الجبر والهندسة، وعُرف عنه أنه عَدَّ نفسه تلميذًا لمحمد بن موسى الخوارزمي، واطلع على أعماله وكتبه، ونهج منهجه في التعامل مع المعادلات، وأضاف إليها كثيرًا من التحسينات والنقاط المتعلقة بالجذور الحقيقية للمعادلات الجبرية من الدرجة الثانية.
ومن جهود أبي كامل الحاسب أيضًا أنه استخدم الكلمات بدلًا من الأرقام العربية في المسائل الجبرية، وأوضح كثيرًا من المسائل المبهمة من خلال ابتكاره عدة طرق أخرى في المسائل الجبرية، فقد كان يستخدم السيوف والحيوانات والنساء والرجال والأطفال كصيغة لحل المعادلات، وهو ما ساعد الطلبة والباحثين كثيرًا على فهم دراسة هذه المعادلات.
من ناحية أخرى، عمل أبو كامل الحاسب على دراسة الأشكال الهندسية مدة طويلة في محاولة لاكتشاف المساحات والأحجام، ومعرفة كيفية الاستفادة بهذه الأشكال في التطبيقات العملية. وقد صنَّفه ابن خلدون بأنه ثاني أعظم علماء الرياضيات في الدولة الإسلامية بعد الخوارزمي.
وكان لأبي كامل الحاسب تأثير كبير في علم الرياضيات وعلمائها، فقد نُسخت كثير من الأمثلة التي استخدمها في حل المعادلات، وكثير من التقنيات الجبرية بواسطة علماء الرياضيات الغربيين، وعلى رأسهم (فيبوناتشي) الذي تأثر كثيرًا بأبي كامل الحاسب، بالإضافة إلى العلماء العرب الذين نهجوا منهج أبي كامل الحاسب، واستفادوا من جهوده الكبيرة، وعلى رأسهم أبو بكر محمد الكرجي.
مؤلفات أبي كامل الحاسب
كان لأبي كامل الحاسب كثير من الأعمال والمؤلفات التي كان لها تأثير كبير في تطور علم الجبر. وقد فُقدت كثير من أعماله التي لم يتم جمعها ونشرها والاهتمام بها كما يجب، وعلى رأسها رسالته في استخدام الوضعية الخاطئة المزدوجة، والتي عُرفت بعد ذلك بـ(كتاب الخطأين)، وكتاب (الجامع والتفريق) الذي كان له شهرة كبيرة لدى الغرب، إلا إنه لم يحظَ بالنشر لظروف تاريخية.
وكان له كتاب آخر يحتوي على حلول جبرية لمشكلات الميراث الإسلامي، وهو كتاب (الوعاء بالجبر والمقبل)، وعدد من الكتب الأخرى التي تُعد من الأعمال الضائعة مثل كتاب (الفلاح) وكتاب (القصير)، وهذا ما جعل أبا كامل الحاسب حالة خاصة بين العلماء العرب والمسلمين، من ناحية التأثير، ومن ناحية ضياع الأعمال والمؤلفات. ولعل أبرز الأعمال التي عُرفت في العالم شرقًا وغربًا للعالم الكبير أبي كامل الحاسب ما يلي:
- كتاب الجبر: يُعد الكتاب الأشهر بين أعمال أبي كامل الحاسب، وأكثرها تأثيرًا واتصالًا بعلماء الرياضيات، ويتناول أنظمة المعادلات التي تحتوي على أعداد صحيحة وكسور، وتحتوي على الأعداد غير النسبية، ويفترض إيجاد الحلول للمعادلات التربيعية.
- كتاب الطرائف في الحساب: يُعد الكتاب أيضًا من الكتب المهمة لأبي كامل الحاسب، ويُعد من أقدم الأعمال العربية المعروفة التي تبحث عن حلول للمعادلات غير المحددة، وشرح لطرق غير موجودة في أي نسخة أخرى، بالإضافة إلى مسألة إيجاد الحلول المتعددة للمشكلة نفسها.
- كتاب المخمس والمعشر: وهو الكتاب الذي استخدم فيه أبو كامل الحاسب معادلته الخاصة لحساب تقريب عدد ضلع خماسي منتظم في دائرة، وكيفية حساب النسبة الذهبية، وهي الأطروحة التي استخدمها بعد ذلك فيبوناتشي في كتابه المعروف باسم (العملي الهندسي).
- كتاب الطير: وهو عبارة عن أطروحة صغيرة يسعى من خلالها أبو كامل الحاسب إلى تعليم حل الأنظمة الخطية مع الحلول المتكاملة الإيجابية، ويستخدم فيها الطيور مثالًا لحل الأطروحة.
- كتاب القياس والهندسة: يُعد من المؤلفات الرائعة التي تناسب الأشخاص غير الرياضيين الذين يحتاجون إلى ممارسة الهندسة، مثل المسؤولين الحكوميين والعاملين في مسح الأراضي، ويقدم فيه أبو كامل الحاسب مجموعة من قواعد الحساب التي تُستخدم لحساب مساحة الأسطح وأحجامها.

يمثل أبو كامل شجاع بن أسلم «الحاسب المصري» حلقة وصل فريدة ونوعية في تاريخ العلوم الإنسانية؛ إذ لم يقف عند حدود استيعاب وتطبيق جبر الخوارزمي، بل انطلق به نحو آفاق أكثر رحابة وعملية بابتكاره طرقًا مبتكرة لحل المعادلات المعقدة وصياغة النسبة الذهبية.
ورغم أن عوادي الزمن قد غيبت وضيعت كثيرًا من مخطوطاته ومؤلفاته النادرة، فإن بصمته الرياضية بقيت حية نابضة في عروق النهضة العلمية الأوروبية، عبر أعمال تلاميذ مدرسته ورواد مثل «فيبوناتشي».
هل كنتم تعرفون من قبل أن لـ«أبو كامل الحاسب» دورًا مباشرًا في إلهام رواد الرياضيات في أوروبا؟ وما هو أكثر كتاب أثار فضولكم من مؤلفاته؟ لا تنسوا مشاركة المقال لتعم الفائدة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.