أبواب العالم الخفي.. الطقس رقم 99

آدم الرفاعي، شاب في الثلاثين من عمره، وُلد وفي عروقه نبض لا يشبه البشر. يمتلك قدرات روحانية فريدة، وبصيرة تتجاوز حدود الحواس الخمس. هو عالم روحاني، خبير في الطاقة الكونية، متخصّص في دراسة العوالم الخفية وفتح البوابات بين الأبعاد.

نشأ آدم وسط مكتبة لا تشبه غيرها.. مكتبة ورثها عن والده –رحمه الله– أحد كبار موظفي دار الكتب الذي كرّس حياته لجمع المخطوطات النادرة والكتب الأصلية المكتوبة بخط اليد، من مختلف بلدان العالم، في علم الروح والرموز والطلاسم والكونيات المفقودة.

منذ نعومة أظافره، تربى آدم بين صفحات تحمل أسرارًا لم يُفصح عنها الزمن، وبيئة غارقة في الطاقات والعوالم المتداخلة.

ومع مرور الوقت، اتّخذ طريقه الخاص.. طريق فتح البوابات، وكشف الأسرار الكونية، والغوص في عوالم لا تُرى، ولا يُسمح لغيره حتى بالاقتراب منها.

آدم الرفاعي الحارس غير المُعلَن لأبواب العالم الخفي

رنَّ المنبه بصوت خافت لكنه منتظم. فتح آدم عينيه بتثاقل، مدّ يده نحو الهاتف، أسكته بضغطة قصيرة، ثم جلس على طرف السرير دون أن يتكلم. كان صباحًا مثل آلاف الصباحات التي مر بها.. أو هكذا خُيّل إليه. دقائق قليلة كانت كافية ليكون جاهزًا. ارتدى ملابسه بدقة؛ ربطة عنق بلون أزرق داكن، حذاء أسود لامع، سترته المعتادة. خرج إلى الشارع، ركب سيارته بهدوء، وأدار المحرك، لينطلق عبر شوارع القاهرة النائمة، في طريقه إلى دار الكتب. الطريق كان هادئًا على غير العادة. لا زحام، لا أبواق، لا عجلة. كان كل شيء ساكنًا، كأن المدينة تنتظر أن يحدث شيء ما.

وصل إلى دار الكتب، دخل المبنى العتيق، حيّا زملاءه بكلمات قصيرة، ثم صعد إلى الطابق الثالث حيث القسم المخصص للمخطوطات القديمة.
هناك، حيث الأرفف الخشبية تفوح منها رائحة الورق المعتّق، حيث الزمن يبدو متجمّدًا.

جلس على مكتبه، أخرج علبة السجائر، أشعل واحدة، وأعدّ لنفسه كوبًا من القهوة.

جلس، تناول رشفة، وأخذ نفسًا عميقًا من السيجارة.

تنهد.

نظر حوله. كانت هناك مئات الكتب في القاعة. قرر أن يقضي بعض الوقت في تصفح أحدها، فقط ليكسر رتابة الصباح. قام واقفًا، واتجه إلى رف لم يعتده. كان في زاوية بعيدة لا يقصدها عادة، لكنه شعر أن قدميه تسيران وحدهما.

مدّ يده وسحب كتابًا غريب الشكل. غلاف جلدي مائل إلى الرمادي، لا يحمل عنوانًا، ولا اسم مؤلف. أوراقه سميكة، كأنها مصنوعة من جلد رقيق، ولونها داكن بشكل غير طبيعي.

فتحه.

لم يفهم شيئًا. الرموز داخل الكتاب لم تكن عربية، ولا لاتينية، ولا عبرية… ولا أي لغة عرفها من قبل. كانت رموزًا منحوتة، وكأنها من عالم آخر. لكنها كانت مرتبة، منظمة، وتُشعر من ينظر إليها أن لها معنى.

جلس على طاولة القراءة، حاول البحث عن أي شيء يدل على مصدر الكتاب. فتح النظام الإلكتروني، أدخل وصف الغلاف، رقم الرف، تاريخ الدخول… لا شيء.

كأن الكتاب لا وجود له. فتح السجل الورقي، قلّب في دفاتر الدخول، راجع ملفات التسليم، بحث في قوائم التوريد. لا أثر.. كأن أحدًا لم يُدخله، كأن الكتاب اختار أن يكون هنا.

شعر بوخزة غريبة في يده اليمنى. تجاهلها. وضع الكتاب داخل حقيبته الجلدية، وعاد إلى مكتبه، لكن شيئًا في الجو تغيّر. رائحة خفيفة كريهة، لم تدُم، لكنها كانت حقيقية.

تجاهلها أيضًا.

في المساء، بعد أن أنهى دوامه، عاد إلى منزله. صنع لنفسه فنجانًا من القهوة السوداء، جلس على مكتبه، وأخرج الكتاب. نظر إليه طويلًا، ثم فتحه مرة أخرى. وحينها… بدأت المعجزة.

الكلمات التي لم يفهمها في الصباح، بدأت تتشكل أمام عينيه، تتحوّل تدريجيًّا إلى جمل مفهومة، بلغة يعرفها جيدًا. كل صفحة يقرأها، تنقلب رموزها الغريبة إلى نصٍّ بلغة عربية فصحى، لكن بأسلوب قديم شديد الغرابة.

قرأ: «كل مئة عام، يُفتح الباب».

«ولا يُفتح إلا باختيار».

«والمختار، هو من لا يعرف نفسه».

«وهو من يُعطي الدم، لا عن رغبة، بل عن نسيان».

أغلق عينيه، شعر بدوار.

الكلمات كانت تدخل رأسه كأنها محفورة عليه.

قلب الصفحة.

«هذا الكتاب، ملك الطقس رقم 99».

«هو طقس العبور».

«من عالم الإنس، إلى عالم الأبالسة».

«الذين ينتظرون المختار، ليأخذوه معهم».

«لكن البوابة، لا تفتح إلا بالدم».

تراجع إلى الوراء.

قلبه ينبض بقوة.

هل هو يتخيّل؟ أم أن الكتاب فعلاً حي؟

لكنه تابع…

الطقس يبدأ عندما يقرأ المختار الصفحة الأخيرة من الكتاب. وعندها… تُفتح البوابة.

وهنا، توقفت يداه. كانت هناك عشرات الصفحات المتبقية، لكنه شعر أن ما قرأه كان مقدمة فقط… والاختيار بيديه الآن.

نظر إلى يده اليمنى، وجد مكان الوخزة قد أصبح علامة حمراء صغيرة، كأنها حرق خفيف. لم تكن مؤلمة، لكنها كانت ساخنة.

وقف فجأة.

الغرفة أصبحت باردة. سكون غريب. ثم… سمع صوتًا في أذنه، همسة خافتة:

«اقرأ، وكن… أو اهرب، وتُمحى».

رفع عينيه… والكتاب كان مفتوحًا على الصفحة الأخيرة.

الصفحة الأخيرة لم تكن مثل باقي الصفحات. لم تكن مملوءة بالرموز أو الكلمات، بل كانت صفحة سوداء تمامًا، تتوسطها دائرة بيضاء، بداخلها نقطة حمراء نابضة، كأنها قلب حي.

مدّ آدم يده ببطء نحو الصفحة، وأصابعه ترتجف. مجرد أن لامست بشرته الورقة، شعر بحرارة مفاجئة تسري في جسده، وومضة من الضوء ضربت عينيه، أجبرته أن يغمضهما لثانية.

وعندما فتحهما… لم يكن في غرفته. كان في مكان آخر، مساحة شاسعة لا جدران لها، لا أرض، لا سماء، فقط فراغ قاتم يمتد إلى اللانهاية، تتناثر فيه رموز متوهجة كأنها نجوم، وتدور من حوله دوائر طاقية تتغير ألوانها باستمرار.

ثم سمع الصوت. نفس الهمسة… لكنها أقوى، أكثر وضوحًا:

«تم الاختيار. الدم نادى. والباب سينفتح».

أراد أن يصرخ، لكنه لم يستطع. كان جسده ثابتًا، مشلول الحركة. وفجأة، ظهرت أمامه بوابة ضخمة من الظلال، محفوفة بعروق نارٍ متوهجة، تتنفس ببطء.

ومن خلفها… عيون. عيون لا تُحصى، تراقبه من داخل العتمة.

ثم بدأت تتقدّم. كائنات ملتوية، أجسادها غير متناسقة، وجوه بلا ملامح، تسير نحوه في صمت. لكنه لم يكن خائفًا… لا تمامًا. بداخله، شيء ما استيقظ. رفع يده اليمنى، وإذا بالعلامة الحمراء تتوهج بشدة، ترسم حوله دائرة نور صافية، توقف زحف تلك الكائنات. وعندها فقط… فهم. هو ليس مجرد «مختار».

هو حلقة مفقودة. هو القفل… والمفتاح. صوت آخر دوّى من أعماق البوابة: «دمك هو الممر. افتح الطريق، ودعهم يمرّون».

رفض. لكن البوابة لا تطلب إذنًا. شعر بوخز عنيف في كفه، وبدأت نقطة دم صغيرة تخرج من راحة يده، وتسقط ببطء نحو الفراغ.

كل قطرة كانت تفتح شقًا في البوابة، وكل شقٍ كان يجعل العتمة أكثر واقعية. حاول أن يغلق يده، أن يمنع الدم… لكن الوقت فات. البوابة بدأت تفتح فعليًّا. خرج منها أول كيان. ليس له شكل، لكن حضوره وحده كان يكفي ليجمد الهواء. قال الكيان بصوت داخلي: «لقد مررنا… وبك نبدأ».

وفي تلك اللحظة، استعاد آدم وعيه.

وجد نفسه على الأرض، في وسط شق انفتح في غرفته، والدخان الأسود يتصاعد منه. الكائن لا يزال هناك… واقفًا أمامه. لكن آدم لم يكن كما كان. نظر إلى الكتاب، فإذا به يشتعل ذاتيًّا ويحترق. لكن الرمز على يده لم يختفِ. خرج الكيان من الباب، تبعه كيان آخر، وثالث… ثم توقفت البوابة عن التمدد، وكأن الدم الذي نزل لم يكن كافيًا لجعلها مفتوحة كليًّا. وقف آدم، ورغم الرعب، كان ذهنه صافٍ. الكتاب انتهى. الطقس تم. البوابة انفتحت. والكيانات خرجت. لكن المعركة الحقيقية… بدأت الآن. وهو… الوحيد القادر على مواجهتهم.

وفي صباح اليوم التالي، جلس آدم على مكتبه في دار الكتب. لكن شيئًا ما في عينيه تغيّر. أمامه، ورقة جديدة مكتوبة بخط لا يعرفه: «تم اجتياز الطقس رقم 99.

ثلاثة كيانات عبرت. البوابة نصف مفتوحة.

مهمتك التالية: الإغلاق.. أو الفناء».

ورفع عينيه إلى النافذة. كانت هناك ظلال تتكوّم في شوارع المدينة.

عادية.. لكن ليست بشرية. وآدم.. استعدّ للسقوط القادم.

مرت الليلة كأنها قرن من العتمة. لم يغمض لآدم جفن، لم يطفئ النور، ولم يبتعد عن النافذة. كان جالسًا على الكرسي، متيقظًا كمن ينتظر زلزالًا يعرف موعده ولا يملك منعه. الأوراق حوله مبعثرة، والرمز الموشوم على راحة يده اليمنى ما زال يتوهج، ينبض كلما اقترب منه شيء لا يُرى. عند الثالثة فجرًا، سمع أول حركة. كان صوت خفيف.. نقرٌ على الزجاج. بهدوء نهض، اقترب، نظر من خلف الستارة. لا أحد. ثم نُقِر الزجاج مجددًا.. لكن من الداخل. استدار فجأة، وإذا بالظلّ على الجدار يتحرك وحده، ينمو ويتمدّد دون وجود مصدر له. تجمّد في مكانه، ولم يتنفس.

الضوء بدأ يخفت، والرمز على يده ازداد توهجًا. ثم سمع صوتًا مألوفًا.. صوته. «آدم، أنت أصبحت البوابة».

لم تكن هلوسة. كانت نفسه، ولكن من بعد آخر، تتحدث إليه: «البوابة لن تُغلق، ما لم تُغلِق وعيك عنهم».

«من هم؟»

- «من دخلوا عبرك… هم انعكاساتك المظلمة. كيانات تشكّلت من كل لحظة ضعف، كل خوف، كل صرخة تجاهلتها داخلك. هم أنت… إن لم تكن أنت».

«وكيف أغلقها؟»

- «بأن تكتمل… بأن تواجههم».

في هذه اللحظة، سمع زئيرًا من بعيد… لم يكن زئير حيوان، بل كأنه صدى عاطفة مريضة تتغذى على الخوف. تبعه صوت خطوات على السلالم.. بطيئة، ثقيلة، زاحفة. رفع يده اليمنى، والرمز تَوسّع فجأة، كأن هالة طاقة خرجت منه، أحاطت بجسده، شكّلت درعًا من نور خافت.

الباب الأمامي اهتز. ثم انفتح وحده. ودخل الكيان الأول. لم يكن له ملامح بشرية، جسده ضبابي، عينيه كهاويتين لا قرار لهما. لكنه.. كان يحمل وجهًا. وجه «آدم» في أول مرة شعر فيها بالخوف، وهو طفل في غرفة والده المظلمة. تقدم الكيان، ولم يتكلم. لكن آدم فهم. «أنا ذكراك الأولى.. أول من كُسر فيك».

رفع يده، ومد طاقته. لكن الكيان لم يختفِ. بل اقترب. فهم آدم.. أن لا شيء سيختفي قبل أن يُحتضن. أغمض عينيه، وفتح ذراعيه. واحتضن كيانه الأول. شعر بسيل من الأحاسيس، بذكريات مدفونة، بصرخات قديمة، بدموع لم تُذرف. ثم سكن كل شيء. الكيان تلاشى والرمز على يده هدأ.

البوابة ما زالت مفتوحة.. لكن أول خطوة أُنجزت.

في الصباح، عاد إلى دار الكتب.

وجد مكتبه كما هو. لكن على الورقة التي كتب عليها بالأمس.. ظهر سطر جديد: «كيان واحد تم دمجه. البوابة: تتبقّى 7».

رفع عينيه نحو الأرفف. كان يعرف الآن.

كل كيان سيتجسد من طيات ماضيه، من عقده، من آلامه.

كل مرة عليه أن يغوص أكثر… ويُضيء ما حاول نسيانه.

خارج دار الكتب، عبر الشارع المقابل.

وقفت طفلة صغيرة، بعينين سوداوين تمامًا، تحمل دمية محروقة، وتحدّق في النافذة حيث يجلس آدم. لم تبتسم. لم تتحرك. لكن ظلّها… لم يكن يشبه ظل الأطفال.

وهكذا.. بدأت رحلة آدم الرفاعي مع الطقس رقم 99.

رحلة تطهير داخلي ومعركة روحية، يخوضها ليس من أجل النجاة.. بل من أجل ألا يُفتح الباب الأكبر.

البوابة لم تُغلق بعد. لكن الحارس.. بدأ يفهم دوره.

حلّ الليل مجددًا، لكن هذه المرة كان مختلفًا. آدم لم يكن كما كان، والمدينة لم تعد كما كانت. بعد اندماجه مع الكيان الأول، شعر بشيء جديد يتكوّن في داخله… نواة نور متوهجة، تحمل بصمة من طاقة لم يختبرها من قبل.

كانت كما لو أن جزءًا من ذاته عاد إليه بعد غياب طويل. القوة التي أحسّ بها لم تكن في الجسد، بل في الحضور. لكن مع كل استعادة تظهر مسؤولية.

في اليوم التالي، وأثناء دخوله دار الكتب، لاحظ شيئًا غريبًا: الهواء داخل القاعة كان أثقل، كأن شيئًا خفيًا يضغط على الجدران.

الكتب على الأرفف تصدر طنينًا خفيفًا… نعم، طنين، كأنها تتحادث فيما بينها، بلغة لا يسمعها إلا من عبر الطقس. ثم شعر بذلك الشعور المألوف. شخص يراقبه. استدار. ولم يرَ أحدًا. لكن على طرف الممر الطويل، في منطقة المخطوطات المهجورة، كان هناك ظل يتحرك ببطء.. كيان ثانٍ.

هذه المرة لم يكن يحمل وجهًا من الماضي، بل مزيجًا من كل ليلة أرق، كل قلق، كل صوت داخلي قال: «أنت لا تستحق».

كان يمثل الشك. الشك في قدرته، في مهمته، في معنى وجوده.

الكيان لم يهاجم. بل بدأ يهمس.

«البوابة لن تُغلق.. أنت تعرف ذلك.

هم أقوى منك، أقدم منك، أنت مجرد إنسان… ترتدي رداءً لا يخصك».

لكن آدم لم يردّ.

كان قد بدأ يتعلم. في داخله، راح يستدعي نَفَسًا طويلًا، واستحضر الرمز على يده، ترك النور يتدفق، ثم قال:
«أنا لستُ المختار لأني الأقوى… بل لأني الأكثر وجعًا. والوجع… هو البوابة الأولى للحقيقة».

تلاشى الكيان.

واختفى الشك.

على مكتبه، كانت الورقة المعتادة في انتظاره:

«تم دمج الكيان الثاني.

البوابة: %26.

تتبقى 6».

في المساء، قرر العودة إلى مكتبة والده القديمة، حيث كل شيء بدأ. فتح الباب الذي لم يُفتح منذ سنوات. الغبار كثيف، والرائحة مألوفة… رائحة الكتب الصامتة، الطقوس القديمة، الحبر والجلد والعزلة. وبين الكتب، وجد صندوقًا صغيرًا، لم يره من قبل.

عليه الرمز نفسه الذي على راحة يده. فتحه. داخله… قطعة من حجر أسود، محفور عليها شكل البوابة.

وعبارات منحوتة بلغة لم يتعلمها… لكنه فهمها: «إذا عبر ستة، تُفتح البوابة الكبرى. وإن أُغلق الباب قبل السابع… يُحبس الشر في مرآتك إلى الأبد».

أغلق الصندوق ببطء.

رفع عينيه نحو صورة والده المعلّقة على الجدار. وهمس: «أنا الحارس… وأنا المفتاح».

وفي ركن بعيد من المدينة، داخل نفق مهجور، بدأ تجمع من الظلال يتكوّن.

ستة كيانات تنتظر دورها، لتختبر الحارس… واحدًا بعد الآخر.

لكن هناك شيء لم يكتشفه آدم بعد.

الطقس رقم 99… لم يكن أول الطقوس.

كان الطقس الأخير في سلسلة بدأت قبله بألف عام.

وكل كيان يواجهه… يحمل ذكرى لم تُخلق منه وحده، بل من دمٍ قديم.

دم والده.

ولذا؛ المعركة القادمة، لن تكون ضد كيان خارجي فقط، بل ضد الحقيقة التي تم إخفاؤها عنه طوال حياته. وأول مرة.

سيواجه آدم سؤالًا لم يستعد له: «هل والده.. كان هو الحارس الأول؟ أم.. كان هو من فتح البوابة أول مرة؟».

انتهى العدد الأول من

«أبواب العالم الخفي» – الطقس رقم 99

لكن الحقيقة.. لم تبدأ بعد.

في الليلة التالية، لم يخرج آدم من مكتبته.

كان قد أغلق الأبواب، أطفأ كل الأنوار عدا شمعة واحدة، وجلس في منتصف الأرض.

أمامه الصندوق، الحجر الأسود، والرمز المشتعل في راحة يده. شعر باقتراب الكيان الثالث. لكنه كان مختلفًا. الهواء تغير، أصبح كثيفًا، لزجًا، كأنك تتنفس طينًا حيًّا.

الشمعة تراقص لهبها بلا سبب.. ثم انطفأت. وظهر أمامه. لم يكن كيانًا على هيئة إنسان، ولا حتى ظلًّا… بل دوّامة من الرماد والدخان، يتخللها رموز نازفة باللون القرمزي، وأصوات متداخلة لا حصر لها. كل صوت كان يحمل ألمًا. صرخات مجهولة، كلمات ندم، فوضى من الذاكرة السوداء.

آدم أدرك على الفور.. أن هذا الكيان هو خليط كل من مرّوا بالطقس قبله وفشلوا. أرواح محبوسة… تبحث عن خلاص.

لم يتحرك.

لكن عقله بدأ ينهار ببطء. كأن الأفكار التي لا تخصه بدأت تغزوه…

«لست أنت.

البوابة لا تُغلق.

كل شيء عبث.

استسلم… فقط دعنا نخرج».

لثوانٍ فقد آدم نفسه.

رأى لمحات من كوابيس لم يعشها… نساء تصرخ، أطفال يختفون في الظلال، جدران تنزف، ومكتبات تنهار.

كأنه يعيش آلاف الحيوات دفعة واحدة. ثم… تذكّر. يده. رمزه. الرمز الذي نُقش عليه منذ وُلد، والمحفور في ذاكرة دمه. ضغط على راحة يده، ترك الدم ينزف قليلًا، رفعها نحو الكيان، وقال بصوت خرج من صدره لا من حلقه:

«أنا آدم… ابن من أغلق أول بوابة…

وهذه… نهايتك».

اندفعت من دمه هالة نور صافية، دائرية، اتسعت حول الكيان، ثم بدأت تضغطه ببطء.

الكيان صرخ، لكنه لم يختفِ. قال آدم بصوت داخلي:

«لن أدمرك… سأحررك».

ثم جلس القرفصاء، أغمض عينيه، وبدأ يتمتم بطقوس تعلمها من كتاب والده.

طقوس إغلاق البوابة.

لكن في هذه المرة، لن تُغلق بالطرد… بل بالاحتواء.

مع كل جملة يتلوها، كانت أجزاء من الكيان تنفصل عنه… تتحول إلى رماد صامت، ثم تختفي.

وعند آخر كلمة… تحوّل الكيان إلى نقطة سوداء صغيرة، دارت للحظة… ثم انفجرت في ومضة صامتة.

سقط آدم على الأرض. نزف من أنفه، أذنه، راحته. لكنه ابتسم.

على الحائط أمامه، ظهر الآن رمز جديد:

«3 من 7.

البوابة: 38%.

أنت تسير في طريق الحراس».

لكن الأهم أن البوابة في وسط الغرفة، التي ظلت تهتز كأنها جرح مفتوح، بدأت تنغلق تدريجيًّا.

الرموز المحفورة حولها بدأت تتلاشى.

العتمة تتقلص.

الهمسات توقفت.

ثم… اختفت.

جلس في صمت، والدم يجري من فمه، لكنه تمتم:

«ليسوا أعدائي… إنهم أجزاء من ذاتي.

وحتى أغلق البوابة… يجب أن أكون كاملًا».

وفي لحظة الصمت تلك، رنّ هاتفه للمرة الأولى منذ أيام.

كان الرقم مجهولًا.

فتح الخط. وجاءه صوت أنثوي، مبحوح، يقول:

«آدم… وصلت للبوابة الأولى فقط.

البوابة الثانية… فتحت الآن في غير مكان.

الكيان الرابع… ينتظرك في بيت والدك».

وانقطع الاتصال. رفع عينيه. علم أن الرحلة الحقيقية… بدأت الآن.

تابع... الجزء الثاني...

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.