أمهات كثيرات قد لا يدركن أن أولادهن كبروا، وربما لا يردن أن يعترفن بذلك، وبأن مرحلة التربية فاتت، وبدأ أوان التوجيه والنصح، والتوجيه والنصح لهما شكل مختلف عن التربية.
فلا يصح أن نوجه أو ننصح أناساً قد كبروا وأصبحوا في نفس طولنا، ونتطاول عليهم بالضرب أو الإساءة والإهانة، وعواقب ذلك الفعل لن تأتي بمردود جيد، لكن ستعود بمردود غير حميد بالمرة.
الفرق بين الأجيال في ردة فعلهم على الإهانة
فالجيل أصبح غير الجيل، فعندما كنا صغاراً أنا وأنت حين يضربنا والدانا لم نكن نستطيع أن نقاوم أو حتى ننبس ببنت شفة، كنا نستسلم ونستكين لهم ليس خوفاً، ولكن إجلالاً منا لهم، لكن جيل هذه الأيام لن يفعل هذا أبداً، بل قد يمسك بيد أمه أو أبيه ويمنعك من التحرك أو ينزع السوط أو العصا من يدك، وإن سببته أو أهنته سوف يرد لك الإهانة بانتقادك أو السخرية منك ومن طريقة تعاملك معه.
وقد يتطاول بالألفاظ السيئة، ولن تجنيان غير الشقاق ومن الممكن أن تصل إلى ترك الولد للبيت أو يقاطعكما وسينفلت الحبل منكما. الحقيقة لو أردنا التوجيه لأولادنا الذين كبروا الآن فلن تكون بالضرب أو السباب والإهانة حتى لا تأتي بنتيجة عكسية، ولا يضيع الغرض من التوجيه والنصح.
فالأفضل كما جاء في الأثر هو "وصاحبوهم لسبع"؛ أي بعد سن الرابعة عشر تبدأ فترة المصاحبة، أي لتكن كالصديق الناصح الذي لا يحتاج في نصحه إلا برهان صدق النصيحة، وبرهان صدق المحبة، فبرهان صدق النصيحة هو الإتيان بالحجة المؤدية إلى الاقتناع، وبرهان صدق المحبة هو لين الكلام، والخوف على مصلحة الصديق لصديقه.
فالكلام الفاحش الغليظ القاسي لا يدعو للاستجابة، كما أن الإلحاح به وكثرة التكرار قد يؤدي إلى العناد، فليكن كلامك دليلاً مقنعاً من كتاب أو سنة أو قول مأثور أو حكمة أو مثال واقع، وليكن بهدوء وثقة ومودة ولين وبألفاظ موجزة ومحددة. وقد يكون التوجيه والنصح بأقل الكلام أو دون كلام على الإطلاق.
فأنا أذكر أنني زاملت غير واحد في العمل كان لا يعتني بالمكان الذي يجمعنا، فكنت أبدأ بتنظيف المكان مبالغة ومتعمداً قبل حضوره مرة ومرة، بعدها فوجئت به يقول لي ربما لشعوره بالإحراج: أخي العزيز لا ترهق نفسك هكذا بالمبالغة في نظافة المكان، فقلت له: لا عليك، أنا تعودت على هذا.
عودتني والدتي -رحمة الله عليها- من صغري بأن أترك أي مكان أقيم فيه أفضل مما كان قبل إقامتي فيه، فلا عليك من تعبي فأنا سعيد بذلك، بعدها تركته ولم أذكر له شيئاً عن هذا الأمر، بعد مدة أصبح زميلي هذا أحرص على ذلك مني ودون كلام كان لي ما أردت، بل أصبح يشيع عني بين الزملاء أنني من جعلته هكذا.
ستجد أيضًا على منصة جوك لكل أب وأم: احذر أن تقوم بهذه الأشياء مع طفلك
القدوة الحسنة ودورها في التربية
القصد أنه بالصبر وتقديم الأسوة الحسنة ودون أي كلام أو لنقل بكلام دقيق رقيق موجز يمكن لنا التوجيه والنصح لأولادنا، هذه إحدى الطرق فجربوها. لا يفوتني هنا ذكر من لا يطيب الكلام إلا بذكره -عليه الصلاة السلام- حدث أثناء صلح الحديبية أنه كان من شروط الكفار ألا يدخل المسلمون في هذه المرة لزيارة الكعبة.
وأن يعودوا العام القادم، وبعدما فرغوا من كتابة وثيقة الصلح طلب رسول اللَّه من المسلمين أن ينحروا ويحلقوا، ولكن لم يقم أحد منهم، وأعاد الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- طلبه ثلاث مرات ولم يفعلوا، فدخل رسول الله -صلى اللَّه عليه وسلم- على أم سلمة -رضي اللَّه عنها- فذكر لها ما حدث من المسلمين فقالت رضي اللَّه عنها: يا نبي اللَّه اخرج ولا تكلم أحداً حتى تنحر بدنك (ذبيحتك) وتدعو حالقك فيحلقك.
فخرج رسول اللَّه وفعل بمشورتها فما كان من المسلمين إلا أن نحروا وحلق بعضهم لبعض، وبذلك حلت المشكلة. فاللهم اجعل أبناءنا وبناتنا في حفظك، وكنفك، وأمانك، وجوارك، وحزبك، وحرزك، ولطفك، وسترك من كل شيطان وإنس وجان وباغ وحاسد ومن شر كل شيء أنت آخذ بناصيته إنك على كل شيء قدير.
ستجد أيضًا على منصة جوك بناء الطفل أصعب من بناء الحجر | أسس تربية الطفل السليمة
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.