أبعاد إدارة أزمة كورونا


تدخل عملية التعامل مع كورونا، أو كوفيد 19، في إطار إدارة الأزمات، ذلك أنها أزمة معقدة تدخل فيها عدّة جوانب وأبعاد مما يزيد في تعقدها، فأزمة كورونا ليست عملية صحية فقط، وإنما تدخل فيها عوامل أخرى ومنها الجانب الاقتصادي، والجانب الاجتماعي والنفسي، وما لكل ذلك من تداعيات.

رغم أهمية الجانب الصحي بل محوريته، إلا أنه لا يمكن أن ننسى الجوانب الأخرى، لذا فإن البُعد الصحي والعلاجي هو أحد الجوانب إلا أنه لا يمكن إلغاء أهمية وخطورة الجوانب الأخرى، لأنها مرتبطة ومتداخلة ومتكاملة، وإن إلزامية التعايش مع جائحة كرونا لمدّة من الزمن، قد تطول أو تقصر يجعل الجوانب الأخرى تبرز إلى السطح.

يمكن توضيح العوامل المؤثرة في إدارة أزمة كورونا في الأبعاد الآتية:

1. البُعد الصحي:
وهو عنصر أساسي ومحوري، يتمثل في تحديد أساليب الوقاية وعلى رأسها الحجر الصحي، وهو أقصى ما يمكن تطبيقه بسبب سرعة انتشار العدوى. خاصة أننا نجهل الكثير عن هذا الوباء المستحدث، فما هي خصائصه؟ وكيف تتم العدوى؟ وكيف يمكن معالجته...؟ هي أسئلة لم يتوصل العلماء والباحثون إلى أجوبة قطعية عنها، وهو ما يزيد من خطورة الوضع، واللجوء إلى الحجر الصحي، الجزئي أو الشامل للحدّ من العدوى.

وبالتالي تكون قرارات الجهات الصحية من وزارة الصحة وأخصائيين في مجال الصحة وأطباء، جدًا مهمة ومؤثرة ولا يمكن لأي جهة من تجاوزها، إلا أن النظرة الصحية تركز على الوقاية، ولا مانع عندها من اعتماد أساليب متشددة والمتمثلة في الحجر الشامل على كل المناطق، ومقاومة الآراء التي ترى بضرورة تخفيف الحجر الصحي، إن أحادية النظرة وإهمال الأبعاد الأخرى يؤدي إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية كبيرة، تستمر حتى بعد زوال الوباء.

2. البُعد الاقتصادي:
عند التحدُّث عن الحجر الصحي، سواء الشامل أو الجزئي، لا بدّ من التحدث عن الجانب الاقتصادي لأهميته وخطورته. ذلك أن الجزائر منذ البداية اعتمدت مقاربة صحية بالدرجة الأولى. وهو ما كان يجب القيام به أمام الهلع الذي أصاب المسؤولين مع ظهور أخبار أعداد المصابين والوفيات في الصين ثم بعد ذلك في إيطاليا، وإسبانيا، والولايات المتحدة.

إلا أنه مع مرور الوقت، بدأ الكل يشعر بوطأة البُعد الاقتصادي، خاصة أن ذلك تزامن مع فترة من الركود الاقتصادي بسبب الأزمة السياسية التي عرفتها الجزائر، وتنصيب حكومة مؤقتة محدودة الصلاحيات وانطلاق محاكمات العصابة والمرتبطين بها، وخوف المسؤولين من اتخاذ بعض القرارات ومنها منح القروض من طرف البنوك، مما أدى إلى تباطؤ الاقتصاد الهش أصلاً.

وما زاد الطين بلّة انخفاض عائدات المحروقات، الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني، كما أن تطبيق الحجر الصحي أدى إلى غلق غالبية المؤسسات الإنتاجية والخدمية، وهو ما أدى إلى شبه توقف الآلة الاقتصادية، وما ترتب عن ذلك توقف العمال عن النشاط الاقتصادي، مما أدى إلى طرح إشكالية الرواتب، وخاصة في القطاع الخاص، أما في القطاع العام، فغالبية المؤسسات عاجزة، وزاد توقف الإنتاج في عجزها.

إلا أن الطبقة الهشة من عمال يوميين أو حرفيين هم الأكثر تضرّرا، ولهؤلاء أسر وأطفال يحتاجون إلى إعالة، وقد تصادف ذلك مع شهر رمضان المبارك، وهو ما يؤكد خطورة الجانب الاقتصادي، بينما هو جانب مهمل عند تعامل مسؤولي الصحة مع الوباء.

هناك منح ومساعدات تقدَّم من طرف الدولة للذين تضررت أعمالهم بالحجر الصحي، وهبت جمعيات المجتمع المدني لمساعدتهم، وقد قامت قنوات التلفزيون بالتشهير بهم، إلا أن احتياجات الطبقات الهشة كبيرة، وأن المساعدات تبقى قبيلة وظرفية، ولا يمكن أن تلبي حاجات هذه الطبقات.

3. البُعد الاجتماعي:
للحجر الصحي تداعيات اجتماعية لا يمكن نكرانها، وقد تحدث بعض علماء الاجتماع وبعض جمعيات المجتمع المدني، عن الصعوبات الاجتماعية الناتجة عن الحجر الصحي، والمتمثلة في انتشار ظاهرة العنف في الأسر، والعنف ضد النساء، وغيرها من التداعيات الاجتماعية، التي ستظهر أخبارها جلية بعد انتهاء فترة الحجز والعودة إلى الحياة العادية.

لا تظهر أهمية وآثار البُعد الاجتماعي بالنسبة للأسر بالأحياء السكنية الميسورة، حيث سعة الفضاء للتحرك داخل البيوت ومجالات للعب الأطفال وتحركهم دون الخروج إلى الشارع، وتوفر وسائل الراحة، وتوفر خدمات الاتصال الحديثة وعلى رأسها الانترنت، واستغلال الفضاء الأزرق وأساليب التواصل الاجتماعي، وبالتالي سهولة الاتصال الافتراضي أو حتى العمل عن بعد، كما أنها تمتلك سياراتها الخاصة للتحرك مما يسهل عليها قضاء حاجاتها، لهذا فإنه يسهل على هذه الفئة التكيُّف مع الحجر الصحي بدون صعوبات.

لكننا نخرج من هذه الأحياء للدخول إلى الأحياء الشعبية والأحياء القصديرية، حيث نقض الفضاء داخل البيوت، حيث الأسر كثيرة الأطفال، فلا دخل مضمون، ولا مكان للعب الأطفال، ولا وسائل للاتصال، ولا إمكانية للبقاء اليوم كله داخل هذه السكنات دون خروج أثناء الحجر الصحي، وكيف نطالب هؤلاء الأفراد والأسر قائلين لهم "ابقَ في بيتك".

وهنا تكون المشاكل الاجتماعية معقدة ومتراكمة، يصعب حتى تصورها، وهي فئة اجتماعية هشة لا يمكن إهمالها مهما قل عددها، بل يجب إدخالها في الاعتبار عند اتخاذ قرارات تخص الحجر الصحي بسبب جائحة كورونا.

4. البعد النفسي:
لكل من الجانب الاقتصادي والاجتماعي آثار على البعد النفسي، ذلك أن المجتمع الجزائري يعاني حتى في الحالة العادية، من مشاكل نفسية كبيرة، تترتب عنه أحيانًا الكثير من الأمراض الجسدية. إن طول فترة الحجر الصحي، وخاصة الحجر الصحي الشامل كما كان مطبقا بولاية البليدة، زاد من الصعوبات والاضطرابات النفسية، حيث يشعر الفرد بالضيق والقلق والنرفزة أحيانا والغضب لأتفه الأسباب، مما يؤدي إلى الصراعات داخل الأسرة بين الزوجين وبين الأطفال، وأحيانا لأتفه الأسباب. فكلما زادت فترة الحجر الصحي ولو الجزئي زادت خطورة التداعيات النفسية للحجر الصحي.


أثر الحجر الصحي على الأطفال: 

يتأثر الأطفال بالجحر الصحي لكونهم يتحركون كثيرًا، وهم في حاجة إلى عناية خاصة من طرف أوليائهم. عادة ما تستريح الأمهات من أبنائهن، أثناء دراستهم، إلا أن بقاءهم في البيت يزيد من المشاكل داخل الأسرة ومن الضغوط على الأمهات، كما يشعر الأطفال بالضغط والقلق وخاصة إذا كانوا عرضة للعقاب من طرف الأولياء بسبب بعض تصرفات الأطفال، لذا يعاني الأطفال تحت الحجر الصحي إلى مجموعة من الضغوط التي لا زالت تحتاج إلى دراسة معمقة من طرف المربين والأخصائيين وعلماء النفس.

ضرورة اعتماد نظرة شاملة لمواجهة وباء جائحة كورونا 19: 

إن تشابك وتداعيات الحجر الصحي لمواجهة الوباء، هي أزمة تتطلب تضافر الجهود والنظر إلى الموضوع نظرة شاملة من كل الجوانب، دون تغليب وجهة نظر واحدة على الأخرى، خاصة مع طول مدة الحجر الصحي وتوقف آلة الإنتاج، وتوقف القطاعات التربوية والتعليمية، وجمود النشاطات الحرفية، وانقطاع الدخل عن عدد لا يُستهان به من الأسر، هي عوامل تتطلب اعتماد نظرة جديدة مبنية على مجال علمي مهم، إلا أنه مهمل في بلادنا وهو علم إدارة الأزمات.

وحتى لا تزيد الأمور سوءا، لا بد من اعتماد إستراتيجية جديدة لمواجهة الوباء عن طريق اعتبار الحاجات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للمواطنين، مع عدم إهمال البُعد الصحي. فالدول الصناعية الغنية، بدأت تبادر إلى تخفيف الحجر الصحي رغم أنها لا زالت تعاني من ارتفاع عدد الإصابات والوفيات، والتي لا يمكن مقارنتها بما هو في الجزائر، كما أن طول مدة الحجر يؤدي إلى عدم احترام المواطنين له مهما قامت الدولة من إجراءات أمنية.

ومن الأساليب التي يمكن اعتمادها، عدم التعامل مع الحجر الصحي على مستوى الولايات، بل المناطق والمدن والأحياء، وهو ما طالب به بعض الأطباء، فلا يمكن أن نحاسب ولاية كاملة بسبب إصابة أفراد من عائلة واحدة بأحد الأحياء، وبالتالي نعمل على تشديد الحجر على كل الولاية.

لذا فمن صلاحيات المسؤولين السياسيين أخذ تداعيات الحجر الصحي من كل الجوانب بعين الاعتبار، وعدم تغليب مقاربة على أخرى لما سيكون له من تداعيات اقتصادية، واجتماعية، ونفسية، يصعب التعامل معها بعد القضاء على ظاهرة كورونا. حفظ الله دولتنا وأمتنا من الأمراض والأوبئة، ورزقنا الصحة والهناء والعافية.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب