"احنا هننزل، هنحاوط الناس، هنوجههم عشان يعرفوا طريقهم."
إذا شاهدت فيلم كيرة والجن في السينما، فمن المؤكد أن تلك الكلمات لفتت انتباهك أو حرَّكت مشاعرك. الحقيقة أن هذا الفيلم ترك أثرًا كبيرًا في نفوس مشاهديه، ما بين السعادة والحزن والحماسة والغضب؛ خلطة سينمائية فريدة. لقد نقلنا في رحلة إلى الماضي، حيث شعرنا وكأننا جزء من المقاومة ضد الاحتلال، مدة ثلاث ساعات إلا خمس دقائق، جعلنا الفيلم نستشعر الألم الذي عاشه المصريون المقاومون، والجهد والتضحيات التي بذلوها لتحرير وطنهم، حتى وإن لم يتح لهم رؤية هذا الوطن الحر بأعينهم.
اليوم سنتحدث عن الأبطال الحقيقيين الذين استلهم منهم الكاتب "أحمد مراد" روايته 1919 التي تحولت إلى هذا العمل السينمائي المميز على يد المخرج "مروان حامد". سنلقي نظرة أعمق على حياة أولئك الأبطال وكيف انتهى مصير كل واحد منهم.
أحمد عبد الحي كيرة
وُلِد أحمد عبد الحي كيرة عام 1896 في فارسكور بمحافظة دمياط. كان طالبًا في مدرسة الطب (كلية الطب حاليًا). في ذلك الوقت كان الطلبة المصريون يتظاهرون ضد الاحتلال الإنجليزي، وكان كيرة يبدو غير مكترث بما يحدث، بل وكان صديقًا عزيزًا للإنجليز وكارهًا لمصر، وكان يدفع ثمن خيانته "المزعومة" بالضرب والإهانة والسب من الطلبة المصريين، إذ كان يُسمى "ابن اللنبي".
وفي المقابل، كان كيرة محبوبًا من الإنجليز، لدرجة أن مدير مدرسة الطب الإنجليزي سمح لـ"كيرة" أن يدخل المدرسة وقتما شاء وكيف شاء، ويدخل إلى أي مكان، وهو المطلوب لأن هذه الثقة كانت وسيلته لسرقة المواد الكيميائية التي تدخل في تصنيع المتفجرات التي استخدمها ليقتل بها الجنود الإنجليز.

في عام 1924 كُشِف أمر كيرة وطارده الإنجليز، فهرب إلى ليبيا ومنها إلى تركيا. وفي عام 1936 اغتيل في إسطنبول على يد ثلاثة ضباط إنجليز مثلوا بجثته. وإلى الآن، يرقد جثمانه في تركيا. تخيل أن تحارب من أجل مصر وتُدفَن في غيرها!
عبد القادر الجن
اسمه الحقيقي "عبد القادر محمد شحاتة"، وشهرته "الجن". وُلد في أسيوط عام 1898، وفقد والده في صغره، وربَّاه أخوه "عبد الجواد". في عام 1919 انضمَّ لحركة مقاومة تسمى "اليد السوداء"، وهناك التقى "أحمد كيرة"، المعروف داخل التنظيم بـ"الأخ فهمي".
كان الجن مسؤولًا عن توزيع المنشورات المعادية للإنجليز في مديرية "المنيا" بتكليف من قائده في الحركة "الشيخ محمود أبو العيون". وفي إحدى المرات أُلقي القبض عليه وحُكِم عليه بالإعدام رميًا بالرصاص، ولكن في موقف بطولي عظيم من السيد "خليل حافظ"، حكمدار المنيا، أقدم على تهريب الجن، لينطلق بعدها في رحلته النضالية.
بعد مدة التقى عبد القادر الجن بالأخ فهمي، وقال له: "انتظر تعليمات مهمة غدًا." وفي اليوم التالي، أخبره فهمي أنه بعد إلقاء قنبلة على وزير الإشغال والحربية "إسماعيل شكري"، قدَّم الأخير استقالته خوفًا على حياته، ولم يرضَ أحد أن يقبل المنصب خوفًا من المقاوم، إلا "محمد شفيق باشا"، الذي قبل أن يدير مشروعات الاحتلال في السودان.
قرَّر التنظيم استهداف شفيق باشا، وأُجريت قرعة لاختيار المنفذ، ووقع الاختيار على "الجن"، فأخذه كيرة ليريه المكان الذي سيلقي فيه التي كانت من نوع "نيتروجلسرين"، ومن ثم أرشده أين يذهب بعد إلقائها وأين يُغيِّر ملابسه التي سيتنكَّر فيها.
وجاء يوم التنفيذ، 19 فبراير 1920، لكن العملية لم تتم بسبب وجود طفلين في سيارة الوزير، بعدها تقرر اختيار يوم 22 فبراير. وفعلًا، ألقى الجن القنبلة على سيارة الوزير، فانفجرت، وسمع الجن صوتًا من وسط الدخان يقول: "قتلتني يا بن الكلب"، ثم هرب الجن بسرعة وغيَّر ملابسه.
توجد رواية أخرى تقول إنه التقى بصديق له وركب معه حنطورًا وغيَّر ملابسه فيه، ولمَّا رأى صديقه المسدسات معه، صرخ فاضحًا أمره، قائلًا إنه قاتل الوزير، فهرب الجن بعدها واختبأ في مدرسة للبنات، ولكن بعد وشاية من سائق الحنطور، تمَّت محاصرة المدرسة وقُبِض على الجن.
وعلى الرغم من اعترافه بإلقاء القنبلة، لكنه رفض الإفصاح عن أي معلومات تخص التنظيم، إلى أن ظهرت الشخصية المحورية: دولت فهمي.
دولت فهمي
دولت فهمي -حسب أغلب المصادر- كانت سيدة مسيحية من المنيا، تعمل ناظرة في مدرسة الهلال الأحمر القبطية للبنات، انضمت إلى منظمة "اليد السوداء"، وكانت مهمتها إشعال حماس المصريين عبر كتابة المنشورات. ويُروَى أنها شاركت في ثورة 1919، ويُقال إنها خبأت المسدسات التي كان يحملها "عبد القادر الجن" وأخفتها.

بعد القبض على الجن، بعث تنظيم اليد السوداء رسالة له تُخبره أن دولت سوف تذهب للقسم لتشهد بأنه عشيقها وكان يبيت معها قبل يوم الواقعة. ويُقال – والله أعلم – إنها عندما دخلت عليه في القسم قبَّلته، وأكدت هذه القصة كما خُطط لها، لكن سوء الحظ كان في أن كاتب التحقيق كان من بلدة دولت، فأبلغ أهلها بفسوق ابنتهم -كما كان يرى- فما كان من الأهل إلا أن أرسلوا لها جوابًا يخبرونها أن خالتها توفيت دهسًا بالقطار، وعندما عادت إلى المنيا أخبروها بضرورة زيارة قبر خالتها، وهناك ذبحوها.
وبعد خروج عبد القادر الجن من حبسه في عام 1924 -بعد أن حُكِم عليه بالإعدام ثم خُفِّف الحكم إلى المؤبد، وخرج بعد 4 سنوات- أخذ يبحث عنها في كل مكان؛ لأنه شعر بحبه لها، لكنه فوجئ بنهايتها المأساوية التي لم تكن تستحقها.
الصاعقة الأخرى كانت مقتل "كيرة" في إسطنبول على يد ضباط إنجليز، فعاد الجن إلى بلدته في أسيوط، حيث عاش هناك حتى وفاته عام 1987.
دولت فهمي: مسلمة أم مسيحية؟
وللأمانة في نقل المعلومة، هناك مصادر تُشير إلى أن دولت فهمي لم تكن مسيحية، بل مسلمة من الأشراف. فقد ذكر أحد أهالي قرية "أبو عزيز"، مسقط رأس دولت في المنيا، أنها من عائلة ذات أصول قوية خرج منها عدد من الشخصيات البارزة مثل "عبد العزيز بك فهمي"، و"حسين خليل"، و"حسين شادي"، وأوضح أن اسم العائلة الأصلي هو "شادي"، وأن "فهمي" اسم مركب لعبد العزيز فهمي، كما وُجِدت وثائق تثبت نسبها إلى الأشراف الذين ينتهي نسبهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن إن أردت الحق، عزيزي القارئ، فإن كونها مسلمة أو مسيحية لن يُغيِّر من بطولتها شيئًا، إذ كانت الحرب بين المصريين والاحتلال الإنجليزي، لا بين المصريين المسلمين فقط أو المصريين المسيحيين. كانت بين كل أبناء المصريين، متحدين باختلافاتهم الدينية والاجتماعية والثقافية حول هدف واحد: تحرير مصر.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.