أبصر النقطة العمياء


في عام ٢٠١٦م قامت مؤسسة (ديل كارنجي) صاحبة الكتاب الأشهر: "كيف تؤثر على الآخرين وتكتسب الأصدقاء"، بدراسةٍ مفادها أن النقاط العمياء عند القادة تتركز حول محاور من أهمها: عدم الاعتراف بالخطأ، وضعف الإنصات.

لا بدّ أنك تتساءل ما المقصود بالنقاط العمياء؟ ألسنا معتادين على هذا المصطلح في عالم القيادة؟ حيث هناك نقطة لا يتمكن قائد المركبة من رؤيتها، نعم بالضبط تلك النقطة العمياء يتجاوز وجودها عالم المركبات إلى عالم الذات والعلاقات، فقد قرأت مؤخراً سلسلة تغريدات لـ د.أحمد العجيري استفاض فيها في تبيان الفرق الشاسع بين ما نحسب أنفسنا عليه، وما يلاحظه الناس علينا، فقد يشعر أحدهم أنه خفيف الظل، بينما يراه الآخرون ثقيل الدم.

هذه الفجوة تسمّى النقطة العمياء: ويقصد بها الفجوة بين نظرتك إلى نفسك، ونظرة الآخرين إليك، ‏هذا الفراغ تحديداً يُعتبر قاتلاً صامتاً للعلاقات كالكوليسترول المرتفع، قاتل صامت للإنسان.

ومن الجدير بالذكر أن عدم معرفة "النقاط العمياء" في شخصيتك، يعني ببساطة أنك حكمتَ على نفسك بأن تكون معصوب العينين في مكان تجهله، وعليك أن تلعب لعبة لا تعرف قواعدها، فالذكاء الخام لوحده لن يخدمك في التعامل مع الآخرين، والقاعدة تقول: ذكاؤك لنفسك وأخلاقك لغيرك، وقد أبان د.العجيري أن الكثير من المتاعب في علاقتك بالآخرين ترجع لسببين رئيسين:

  1. الوثوقية الزائدة: ما أراه هو الحقيقة.
  2. الانتقائية: الناس ترى ما تريد رؤيته فقط.

وقد كان من اللافت لي أن الكثير من النقاط العمياء التي ذكرها الكاتب هي شبيهة بشكل أو بآخر بالمغالطات المنطقية التي ذكرها الكاتب يوسف بوحايك في كتابه "رجل القش"، وكأن النقاط العمياء ما هي إلا مغالطات منطقية، وانحيازات فكرية نمارسها دون أن نراها في أنفسنا، وتكمن خطورتها في كونها عادات وأنماط سلوكية تجذبنا إلى الخلف ونحن لا ندري، فهي ليست سلوكاً عرضياً زائلاً ومؤقتاً، بل تستمر وترتفع، وبإهمال "النقاط العمياء" تتراكم الأخطاء بصورة خفية، حتى نصل إلى حالة المثل الشائع: "القشة التي قصمت ظهر البعير"، ‏فتنهار العلاقة، وقد يستغرب البعض بقوله لم يكن الموقف يستدعي ما حصل، إلا أن الحقيقة أن الانهيار أتى من سلسلة من الإهمال اليومي (لفظي وسلوكي)، ومع التراكم بلغت تلك اللحظة التي تقصم ظهر العلاقة.

إن كل نقطة عمياء لفظية تخرج في هيئة كلمات تؤذي الآخرين، ونحن لا ندري أنها مؤذية، ‏وكل نقطة عمياء سلوكية تتبلور في أسلوب في التعامل أو مظهر معين ينفِّر الآخرين منا.

ومن أوسع أبواب "النقاط العمياء" اللفظية: المزاح، فالبعض لا يفرق بين السخرية والمزاح، وكثرة العتاب واللوم على كل شيء، والتفكير المنحصر بين خيارين إما هذا أو ذاك، وأكثر من يعاني من النقاط العمياء المقربون منك، وليس الغرباء؛ لأننا نتعامل مع الغرباء بوعي أكثر، بينما نميل إلى التعامل بتلقائية زائدة مع المقربين، لذلك نحن بحاجة لمضاعفة الوعي مع من نحب، وبحاجة للحذر من لحظة "الاختطاف العاطفي" حين نتكلم دون تفكير، ونرمي كلمةً جارحةً في وجه من نحب، فنلقي بعلاقتنا من الطابق العاشر، ثم نكتشف صعوبة تغيير رأينا في الطابق الخامس، ونرتقب ارتطام العلاقة بالأرض. 

‏في كتاب "النقطة العمياء، الانحياز الخفي للأشخاص الجيدين" تحدَّث الكاتب (أنتوني جي جرينولد) عن أهمية الوعي بالانحياز الخفي الذي نمارسه بتأثير العاطفة.

‏أخيراً نقاطك العمياء بحاجة لهدوء عقلك، حتى لا تختلط عليك الانفعالات فتوقعك في ارتباك، ‏وتنبَّه للقول السائد: إذا دخلت الانفعالات من الباب، خرجت العقلانية من النافذة.

أفرغ عقلك من النقاط العمياء، واملأه بالنقاط المبصرة.

بقلم الكاتب


Diligent, ambitious business professional and certified emotional intelligence practitioner with more than 12 years of diverse experience making an impact across multiple industries. Strategic thinker with a proven track record of successfully planning and managing financial, personnel, and operational aspects. Dynamic leader adept at building and retaining high-performing teams. Core strengths include lecturing/training, general management, and program development. Ready to leverage knowledge and experience to provide exceptional experiences for students, faculty, and staff at a renowned educational institution.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

Diligent, ambitious business professional and certified emotional intelligence practitioner with more than 12 years of diverse experience making an impact across multiple industries. Strategic thinker with a proven track record of successfully planning and managing financial, personnel, and operational aspects. Dynamic leader adept at building and retaining high-performing teams. Core strengths include lecturing/training, general management, and program development. Ready to leverage knowledge and experience to provide exceptional experiences for students, faculty, and staff at a renowned educational institution.