آه منك.. يا غصن الزيزفون

آهٍ منك... يا غصن الزيزفون، يا قريتي، يا ضيعة الزيزفون... منذ سنين...في ضيعتي الوادعة المسترخية في أحضان جبال القلمون... كانت أشجار الزيزفون على موعد في كل صيف مع مهرجانها الخاص، مع عرسها مع فرحتها التي تنتظرها كل عام أن تمر؛ لأنها ستتجلى حينها على أبناء الضيعة بأحلى حللها وأطيب العبق والعطور... كانت أشجار الزيزفون تعيش حالات مختلفة، فهي في النهار أشجار عادية كبقية الأشجار، لا يجنى منها أكثر من فيئها وزقزقة العصافير والدّوري... إلا أنها تعطيك في الليل الجمال الحقيقي، فإذا ما حل الليل... فهي العروس في خدرها... الخجولة بطبعها... فهي تختفي عن أنظار الناس في النهار تحت غطاء السكون والظل الذي يجده المرء في أي مكان يذهب إليه، فلا يؤبه لها، حتى إذا جاء الليل بعباءته ورماها عن كتفيه مغطيًّا بها ضيعتي الهانئة بعد أن تكون قد خلت شوارعها من المارة، وهجع أهلها وهدأ نشاطها استأذنت أشجار الزيزفون صديقها الليل أن تسفر عن الوجه الحقيقي... فإذا هي أوانس قد نضت ثيابها، وارتدت للسكون ثوب الجمال، ثم تعطرت وخرجت تنشر عبقها في أثير الليل؛ ليمرّ على أهل القرية وكأنها أم أخذت تمسح على جبين وليدها ليهنأ في نومه... فإذا ما خالطت قلوب العشاق راق لها أن تمكث قليلًا، فهي تريد أن تعطي للحب الصافي أريجه ونقاءه، ففي الطبيعة ومن الطبيعة يتعلم الإنسان العاشق كيف يكون الحب والغرام في أعلى مستوياته.

في ذلك الوقت كنت أشعر بأن الزيزفون له رائحة ليست كغيره من الزهور... له عطر النبات وله فوق عطر النبات عطر القلوب، عطرٌ نفاذٌ إلى سويداء الفؤاد، يكاد يحيي القلوب الميتة فيملؤها حبًّا وعشقا ويعلمها كيف تكون الحياة وكيف تعاش بالحب... في الحقيقة كنت أشعر بشعور غريب يومها، شعور جعلني لست بين الناس، وجعل قلبي يخفق بطريقة ليست مثل قلوب بقية البشر... شعور جعل كفيَّ كمن كانتا مغمورتين بماء نبع تفجر من بين الصخور فهو الثلج قد ذاب... أشعر باللهفة... لكن كنت دائمًا أحار في سبب كل ذلك. تمر السنوات تلو السنوات... تطوح بي الحياة في دوامتها، تنقلني حيث أرادت إلى أن جاء ذلك اليوم... عندما رأيتها وقد حملت غصن زيزفون بدا بين أناملها كمن أصيب فعولج، ثم سمح له بنقاهة فكانت نقاهته حيث اختار... وغصني الجريح اختارها... بين أناملها يداعب منها أطراف البنان بناعم خدوده يرجوها أن تفيض عليه من جمالها ونقائها وصفاء قلبها وعطر روحها... عندها أدركت فقط ما سر ذلك الشعور الذي كان ينتابني كلما شممت عطر الزيزفون... وما سر تلك الخلجات والخفقات التي كان يعيشها قلبي وما سر برودة أطراف أصابعي... عندها أدركت كل شيء... وعلمت أنني كنت منذ ذلك اليوم على ميعاد مع النقاء والصفاء ورونق الضياء وحلاوة الروح... عندها أدركت أن شجر الزيزفون في ضيعتنا كان متصلا بها يستمد حياته المادية من منبته ويستمد جماله وعطره من جمال وعطر هذه الأميرة... أميرة الربيع... عندها أدركت أنني سأكون والحياة والنقاء والصفاء على ميعاد... آه... ماذا فعلت بي وما الذي حركته في كياني أيها الجريح المسكين، آهٍ منك آهٍ... آهٍ منك يا غصن الزيزفون ...

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

جميلة جدآ اعجبني

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
فاطمة - May 2, 2021 - أضف ردا

جميل🖤

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
May 11, 2021 - بخيت موسى مادبو
May 10, 2021 - Assma'a Hussein
May 9, 2021 - أميرة المكي
May 9, 2021 - Dmoon Diz
May 9, 2021 - لمياء بوعيشي
May 8, 2021 - سماح القاطري