آلة الزمن الجزء الأول

سوق الوراقين

الجنود المجهولين في كل صناعة أو حرفة كثيرون، ومن هؤلاء الجنود المجهولين ما يسمى بالوراقين الذين أخذوا على عاتقهم نسخ الكتب والمخطوطات قبل اختراع الطباعة الحديثة على يد الألماني جوتنبرج.

وعلى طريقة أفلام الخيال العلمي سوف نرحل للماضي بآلة الزمن، ونعيش في عصر يتمنى أن يعيشه الكثيرون، ففي بغداد في زمن الخليفة هارون الرشيد، تلك الفترة المضيئة في تاريخنا العربي، حيث كانت بغداد حاضر الدنيا كلها، وكانت تموج بالعلماء والشعراء من كل حدبٍ وصوب، حيث قامت تلك النهضة العظيمة على أكتاف الوراقين أصحاب الأيدي البيضاء في تلك النهضة، حيث كان لهم سوق كبيرة في بغداد، ولمن لا يعلم إن الوراق هو الذي ينسخ الكتب ويصححها ويجلده، وهذه المهنة حلت محلها الطباعة الآن، ويبيع الوراق تلك الكتب للطلاب والعلماء، ولمن يحبون اقتناء الكتب.

أشهر من عمل بمهنة الوراقة

كان لمهنة الوراقة أثر كبير في تكوين الكثير من الشخصيات التي قادت علوم ذلك الزمان.

وأشهر من عمل وراقاً في التاريخ، الكاتب والمؤرخ ابن النديم، الإمام أبي حامد الغزالي، الأديب واللغوي والرحالة والجغرافي الكبير ياقوت الحموي، الشاعر أبو حيان التوحيدي، والموسوعة والأديب الجاحظ، والصوفي الشهير مالك بن دينار.

كان أهل المعرفة يَقصِدون هذا السوق، حيث كان أشبه بسوق ثقافية كبيرة، مثل معرض الكتاب الآن، مما عمل على انفتاح كبير على الثقافات المختلفة التي أتت من الهند واليونان فانصهرت في الثقافة العربية الإسلامية.

أرقام وحقائق

مع ازدهار الترجمة والتأليف في عهد الدولة العباسية تم بناء مصنع للورق في بغداد لكي يغذي صناعة الكتاب، حيث بلغ عدد دكاكين الوراقين في بغداد حوالي مائة دكان لإنتاج الكتب، والتي لاتباع في بغداد وحدها ولكن في ربوع العالم العربي كافة من خلال القوافل.

جريمة إنسانية

إن أكبر جريمة ثقافية في التاريخ فعلها التتار برمي الكتب في نهر دجلة، لقد قضت البربرية الوحشية على نور المعرفة فأخرت العالم قروناً طويلة بسبب تلك الجريمة.

المدرسة المستنصرية

إذا وجد الكتاب فلا بد له من مدرسة، لقد تم بناء المدرسة المستنصرية بجوار سوق الوراقين وهي أول مدرسة نظامية في التاريخ.

افول سوق الوراقين

عند سقوط بغداد سنة 556 هجرية تزعزعت أركان الأمة، وسقطت المركزية السياسية مما كان له توابع على شتى صور الحياة، فضاعت معالم سوق الوراقين بمقتل آخر خليفة عباسي وهو المستعصم بالله.

جينات الأجداد

إن مقولة القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ، هي مقولة صحيحة إلى حد كبير فما زالت جينات القراءة موجودة لدى العراقيين والعرب منذ كانت بغداد حاضرة الزمان، وبرغم ما مر به الوطن العربي من نكبات في تاريخه الحديث إلا أن النهضة الحديثة أصابت جنباته، مما يدعم وجود غدٍ مشرق معتمداً في أساس ذلك على أولئك الوراقين الذين ربطوا حضارات العالم القديم بالحضارة العربية الإسلامية والتي لولاها لعمَّ الجهل العالم حتى الآن.

بقلم الكاتب


Mostafa Mahfouz Rashwan بكالوريوس علوم قسم كيمياء جامعة أسيوط أهوى الكتابة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

Mostafa Mahfouz Rashwan بكالوريوس علوم قسم كيمياء جامعة أسيوط أهوى الكتابة